مع صدور وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» لإدارة ترامب الأسبوع الماضي، لفت انتباه كثيرين أنه في وقت بات فيه التنافس الجيوسياسي مع روسيا والصين أشد مما كان عليه في أي مرحلة منذ الحرب الباردة - وفي وقت تتقارب فيه موسكو وبكين أكثر فأكثر في مواجهة الولايات المتحدة - بالكاد تذكر عقيدة الأمن القومي لترامب لعام 2025 هذين التحديين الجيوسياسيين.
وعلى الرغم من أن التقرير يستعرض المصالح الأميركية في مختلف أنحاء العالم، فإن أكثر ما يثير اهتمامي فيه هو الطريقة التي يتحدث بها عن حلفائنا الأوروبيين وعن الاتحاد الأوروبي، إذ يشير إلى ممارسات تقوم بها «ديمقراطياتنا الأوروبية الشقيقة» من شأنها، بحسب الوثيقة، أن «تقوّض الحرية السياسية والسيادة، وسياسات الهجرة التي تغيّر القارة، وتخلق اضطرابات، والرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية، والانهيار الحاد في معدلات المواليد، وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس».
وتضيف الوثيقة: «إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن القارة ستكون غير قابلة للتعرّف عليها، خلال عشرين عاماً أو أقل».
في الواقع، تحذر الاستراتيجية من أنه ما لم ينتخب حلفاؤنا الأوروبيون أحزابا قومية «وطنية» أكثر التزاما بكبح الهجرة، فإن أوروبا ستواجه «محواً حضارياً». ويُفهم ضمنياً، وإن لم يُصرّح به صراحة، أننا سنحكم عليكم لا بجودة ديمقراطيتكم، بل بمدى صرامة إجراءاتكم في كبح تدفق الهجرة من الدول الإسلامية إلى جنوب أوروبا..
لدى البشر حاجة بنيوية ودائمة إلى «الوطن»، ليس فقط كمأوى مادي، بل مرساة نفسية وبوصلة أخلاقية أيضاً. وعندما يفقد الناس هذا الإحساس بالوطن - بسبب الحرب، أو التغير الاقتصادي السريع، أو التحولات الثقافية أو الديموغرافية، أو تغير المناخ، أو الثورة التكنولوجية - فإنهم غالباً ما يفقدون توازنهم. قد يشعرون وكأنهم يُقذفون داخل إعصار، ويتشبثون بيأس بأي شيء يبدو ثابتاً بما يكفي - وقد يكون ذلك أي قائد يبدو قوياً بما يكفي لإعادتهم إلى ذلك المكان المسمى «الوطن»، مهما كان ذلك القائد مخادعاً، أو كان الأمل في وعوده غير واقعي.
وانطلاقاً من هذه الخلفية، لا أذكر وقتاً خلال الأربعين سنة الماضية سافرت فيه داخل الولايات المتحدة وحول العالم ووجدت هذا العدد الكبير من الناس يطرح السؤال نفسه: «لمن هذا البلد في النهاية؟».
اليوم، يعيش عدد من الناس خارج أوطانهم الأصلية أكثر من أي وقت مضى في التاريخ المدوّن. فهناك نحو 304 ملايين مهاجر حول العالم - بعضهم يبحث عن عمل، وبعضهم عن تعليم، وبعضهم عن الأمان من صراعات داخلية، وآخرون يفرّون من الجفاف والفيضانات وإزالة الغابات. وفي نصف الكرة الغربي، أفادت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية بأن حالات عبور المهاجرين عند الحدود الجنوبية بلغت مستويات تاريخية في عام 2023، فيما تشير تقديرات مركز «بيو» للأبحاث إلى أن إجمالي عدد المهاجرين غير النظاميين في الولايات المتحدة ارتفع إلى 14 مليوناً في العام نفسه، منهياً عقداً من الاستقرار النسبي.
لكن الأمر لا يقتصر على المهاجرين فحسب. فالحرب الأهلية الثالثة في أميركا تُخاض على جبهات متعددة. على إحدى الجبهات، يقاوم الأميركيون البيض، ومعظمهم من المسيحيين، ظهور أميركا التي تهيمن عليها الأقليات، والتي باتت حتمية في مستقبلنا في أربعينيات القرن الحالي، مدفوعة بانخفاض معدلات المواليد بين الأميركيين البيض ونمو أعداد الأميركيين من أصول إسبانية وآسيوية ومتعددة الأعراق.
وعلى جبهة أخرى، لا يزال الأميركيون السود يكافحون ضد من يسعون إلى إقامة جدران جديدة لإقصائهم عن مكان يُسمى «الوطن». وهناك أيضاً أميركيون من كل الخلفيات يحاولون التماسك وسط تيارات ثقافية تتغير بشكل مستمر.
وعلى صعيد آخر، تعصف رياح التغير التكنولوجي العاتية، المدفوعة اليوم بالذكاء الاصطناعي، بأماكن العمل. وعلى جبهة خامسة، يكافح الشباب الأميركيون من كل الأعراق والأديان والألوان لتحمل كلفة امتلاك حتى منزل متواضع.
عندما جعل دونالد ترامب بناء جدار على طول الحدود المكسيكية محور حملته الانتخابية الأولى، اختار بدافعٍ فطري كلمةً تحمل معنيين لملايين الأميركيين. فكلمة «جدار» تعني حاجزاً مادياً ضد الهجرة غير المنضبطة التي كانت تُسرّع انتقالنا إلى أميركا ذات أغلبية من الأقليات، لكنها تعني أيضاً جداراً ضد وتيرة التغيير ونطاقه: العواصف الثقافية والرقمية والجيلية التي تُعيد تشكيل الحياة اليومية.
هذا، في رأيي، هو الأساس العميق لاستراتيجية ترامب للأمن القومي. فهو لا يسعى لإعادة إشعال فتيل الحرب الباردة للدفاع عن حدود الديمقراطية وتوسيعها. بل هو، في رأيي، مهتم بخوض حرب حضارية حول مفهوم «الوطن» الأميركي ومفهوم «الوطن» الأوروبي، مع التركيز على العرق والعقيدة، ومن هو الحليف في هذه الحرب ومن ليس كذلك.
عندما تصبح حماية «الحضارة الغربية» - مع التركيز على العِرق والإيمان - جوهر الأمن القومي الأميركي، يصبح التهديد الأكبر هو الهجرة غير المنضبطة إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، لا روسيا أو الصين. ويُعاد تأطير «حماية الثقافة الأميركية، والصحة الروحية، والعائلات التقليدية» باعتبارها متطلبات أساسية للأمن القومي، كما أشار محلل الدفاع «ريك لاندجراف» في موقع «وور أون ذا روكس».
ولهذا فإن وثيقة استراتيجية الأمن القومي لترامب ليست وليدة الصدفة ولا نتاج حفنة من الأيديولوجيين ذوي الرتب المتدنية. إنها، في الواقع، حجر رشيد يفسر ما الذي يحرّك هذه الإدارة حقاً، في الداخل والخارج.
توماس فريدمان*
-صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


