يبدو أن واشنطن قد انتبهت لخطر الجماعات العابرة للحدود، والتنظيمات التي تستغل الدين في المشهد السياسي، وهذا ما يفسر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء إجراءات تصنيف بعض فروع جماعة «الإخوان» منظمات إرهابية، مثل فروعها في مصر ولبنان والأردن، خطوة لا بد منها لدرء خطر تنظيمات تتستر تحت أنشطة متنوعة وتخترق المجتمعات. خطر هذا التنظيمات يزداد في ظل تنامي الهاجس الأمني في الداخل الأميركي، هو الذي سوف يوجه بوصلة التعامل مع قضية شائكة لم ترد على أميركا منذ التأسيس.

وعلى الرغم من اندلاع حروب أهلية بين البيض والسود والهنود الحمر، إلا أن هذا الأمر الطارئ والمتجدد، لا يقارن بكل ما مضى، وخاصة وأن مفاصل النسيج الاجتماعي في الدولة العميقة على المحك.

تنظيمات الإسلام السياسي وخيوطها العنكبوتية ستضر المجتمع الأميركي وتفاقم من استقطاباته، وتجعله أكثر انكشافاً أمام إرهاب عابر للقارات. لم تمر أميركا بهذا الوضع في تاريخها منذ التأسيس، كان أكبر تحدٍ لها يتمثل في «الحركة الشيوعية» التي استطاعت التغلب عليها بالسياسة. نعتقد اليوم بأن أميركا تواجه خطر تفكك النسيج الاجتماعي من جراء نمو التطرف والإرهاب الداخلي من يسار متطرف ويمين متطرف، فهذا الخطر لم يتم التعامل معه حتى الساعة، مثل ما كان يتم التعامل نمط مع «الشيوعية».

والآن تدخل التنظيمات الإسلاموية المتطرفة لتكون عنصر تهديد جديد يضاعف خطر التنظيمات الإرهابية المسلحة كتنظيم «القاعدة» و«داعش». إدارة ترامب تسير في الاتجاه الصحيح من حيث تصنيف هذه التيارات، ليبدأ التشخيص السليم للمشكلة، ومن ثم اتخاذ خطوات سليمة لحلها ومنع وصول خطرها للمجتمع الأميركي.

يؤشر الوضع الراهن على تصعيد الإدارة الأميركية ملاحقاتها للكيانات الإرهابية المؤدلجة في الداخل، حيث صرح مدير عمليات فرع الأمن القومي بمكتب التحقيقات الفيدرالي أن حركة «أنتيفا» -اليسارية المتطرفة- تعدُّ «أكبر التهديدات الإرهابية على البلاد»، مقارناً إياها بتنظيمي «القاعدة، وداعش»، خلال جلسة استماع بمجلس النواب. وتطويقاً لخطر الحركات والمجموعات الإرهابية النشطة عبر أراضيها، من المُتوقَّع اتجاه الإدارة الأميركية نحو التدقيق بالروابط المحتملة بين «الإخوان» وحركة «أنتيفا»، لتدعيم مسار حظر جماعة «الإخوان» وفروعها، وتوثيق ارتباط اليسار المتطرف بالإرهاب.

أما «جماعة الإخوان» في الغرب فقد اعتادت استغلال التعددية الثقافية والسياسية والاجتماعية والفكرية والدينية، والمظلة الدستورية والقوانين وتجد فيها الجماعة ثغرات تنفذ من خلالها وتتوغل في المجتمع. ولكن مع ذلك أميركا ومِن ورائها أوروبا لا تقبل لأي من تلك الجماعات أن «تكشر» عن أنيابها وتدخل في ما يعرض استقرار الدول للخطر. ودأبت التنظيمات التي تستغل الدين على البحث في بلدان الغرب عن ملاذات آمنة، وفي بعض الأحيان تنخدع الحكومات الغربية وتنطلي عليها حجج هذه التنظيمات، فـ«جماعة التحرير» كانت محمية من الدولة البريطانية، عندما قام زعيمها في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، بالإعلان عن «الخلافة الإسلامية» في حديقة «الهايد بارك» بالعاصمة لندن. البداية في أميركا جاءت من «تكساس»، حيث تم تصنيف «الإخوان» و«كير» منظمتين إرهابيتين، وأصدر حاكم تكساس «الجمهوري» قراراً يُصنّف جماعة «الإخوان» و«مجلس العلاقات الأميركية - الإسلامية» (كير) كمنظمات إرهابية أجنبية وإجرامية عابرة للحدود. يفرض القرار حظراً شاملاً على امتلاك العقارات للمنظمتين وأعضائهما، ويمنح القضاء صلاحيات موسّعة لملاحقة الكيانات المرتبطة بهما. تُعد تكساس هي الولاية الوحيدة التي صنفت «كير» منظمة إرهابية، دون أي خطوة مماثلة من ولايات أخرى. خطوة أميركية مهمة لرصد تنظيمات متطرفة تهدد تماسك المجتمعات وتحرض على الكراهية وتتبنى خطاباً مناهضاً للدولة الوطنية، خطوت تأخرت لكنها مجرد نقطة البداية في مواجهة تنظيمات الإسلام السياسي. *كاتب إماراتي