يبدو أن السيارات التي تعمل بالبنزين تصمد أكثر من السياسات التي كانت تهدف إلى إقصائها. وأحدث مثال على استمرار قوة محركات الاحتراق ظهر يوم الثلاثاء الماضي، حين أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيتراجع عن تعهّد محوري يقضي بحظر الانبعاثات من السيارات الجديدة بحلول عام 2035.
وجاء هذا الإعلان بعد يوم واحد فقط من إعلان شركة فورد إنها ستقلّص خطط إنتاج السيارات الكهربائية، لتنضم إلى قائمة طويلة من شركات السيارات الأميركية والأوروبية التي تعيد النظر في استراتيجياتها المناخية.
وتُظهر هذه التراجعات مجتمعة أن التحول الكامل إلى الكهرباء أقلّ يقينا بكثير مما بدا عليه قبل بضع سنوات، وأن السيارات والشاحنات الملوِّثة قد تبقى على طرق أوروبا وأميركا لعقود مقبلة. كما تُبرز هذه الخطوات التباين الحاد بين الغرب والصين، التي طوّرت سوقا ضخمة ومربحة للسيارات الكهربائية، مدعومة بشركات تصنيع تحظى بدعم الدولة. في الولايات المتحدة، حيث صوّر الرئيس دونالد ترامب السيارات الكهربائية على أنها «خدعة» باهظة الثمن، قلّص البيت الأبيض الحوافز المخصّصة للسيارات الكهربائية، وأعلن هذا الشهر خططا لتخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات الجديدة. ويقول مسؤولون أوروبيون إنهم يفضلون مستقبلا يعتمد بشكل كبير على السيارات الكهربائية، ولا تزال العديد من الدول تقدّم حوافز للسيارات الكهربائية. لكن بروكسل واجهت ضغوطا شديدة من شركات صناعة السيارات في القارة لتخفيف الحظر المفروض على السيارات الكهربائية حتى عام 2035. فقد عانت شركات صناعة السيارات التقليدية، التي تمتلك قوى عاملة ضخمة ومصانع مبنية على محركات الاحتراق الداخلي، لمنافسة السيارات الكهربائية الصينية منخفضة التكلفة وعالية الجودة.
ويقضي المقترح المعدّل بإلزام شركات السيارات بتحقيق خفض بنسبة 90% في انبعاثات أساطيلها مقارنة بمستويات عام 2021. وهذا يعني أن معظم السيارات ستكون كهربائية بالكامل، لكنه أيضا يترك مجالا للسيارات الهجينة - بما في ذلك القابلة للشحن - وكذلك للسيارات التي تعمل بالبنزين. «فرديناند دودنهويفر»، مدير مركز أبحاث السيارات في مدينة بوخوم الألمانية، يتوقع انقسام صناعة السيارات العالمية إلى ثلاثة أقسام: قسم في الولايات المتحدة يدعم بشكل كامل سيارات البنزين؛ وقسم في الصين يركز كليا على السيارات الكهربائية؛ وقسم آخر في أوروبا حيث تسود حالة من عدم اليقين بشأن السياسات. وأضاف أن شركات السيارات الصينية هي الأكثر استفادة من هذا التوجه، لأن السوق الصينية تفوق بكثير نظيراتها في الولايات المتحدة وأوروبا، وتتطلع إلى مواصلة النمو والتحول نحو السيارات الكهربائية.
وقد واجهت الأسواق الأميركية والأوروبية صعوبة في الانفصال عن سيارات البنزين لأن محركات الاحتراق الداخلي تحقق هوامش ربح أعلى. لكن هذه الاستراتيجية تضعها في مأزق على المدى الطويل. ولدى «دودنهويفر» قناعة بأن الصين في المستقبل ستحدّد قواعد صناعة السيارات وأن الشركات المصنعة الغربية، بحصولها على ترخيص لمواصلة إنتاج سيارات البنزين، «تجني مكاسب سريعة على المدى القصير، لكنها تتكبد خسائر فادحة على المدى الطويل. وستتعاظم مزايا شركات صناعة السيارات الصينية». شركة «فورد» تسعى إلى اغتنام ما تراه «فرصاً ذات عوائد أعلى» من خلال توسيع خياراتها من السيارات التي تعمل بالبنزين والسيارات الهجينة. وأضافت أنها ستنتج شاحنة صغيرة تعمل بالبنزين في مصنع بولاية تينيسي، بينما ستعلّق إنتاج إحدى سيارتها الكهربائية الرائدة. كما تراجعت شركات سيارات مثل «فولفو» و«بورش» عن خطط أكثر طموحا للسيارات الكهربائية. وفي وقت سابق من هذا العام، ابتعدت شركة ستيلانتيس - التي تضم علامات جيب وفيات - عن خططها للتحوّل الكامل إلى الكهرباء في أوروبا بحلول عام 2030.
كان حظر سيارات البنزين عنصراً أساسياً في خطة المناخ الأوروبية التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، والتي طُرحت قبل أربع سنوات، حيث أشار المسؤولون إلى «المهمة التاريخية» لإنقاذ كوكب الأرض. في ذلك الوقت، صرّح قادة الاتحاد الأوروبي بأنهم وضعوا صناعة السيارات في القارة - التي تُمثّل 7% من الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا - في طليعة الابتكار من خلال وضع هدف مستقبلي واضح. لكن شركات السيارات الكبرى - بما في ذلك مرسيدس-بنز وفولكسفاجن وبي إم دبليو - شهدت تراجعاً حاداً في قيمها السوقية. وفي خطأ استراتيجي، كانت السيارات الكهربائية التي أنتجتها تميل إلى الفئة الفاخرة، لا موجهة للسوق الجماهيري. وفي الوقت نفسه، وصف قادة في ألمانيا وإيطاليا هدف عام 2035 بأنه يشكل تهديدا للوظائف الأوروبية.
*صحفي متخصص في قضايا المناخ،
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


