الإسلام دينٌ سماويٌ، «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه»، والنبي الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، هو خاتم النبيين، وأتباع الإسلام اليوم هم من أكثر أتباع الديانات في الأرض ويزدادون. هذا جليٌ وواضحٌ، لكن الجدل يجب أن يدور فيما دون ثوابت الدين وقطعياته.
بعد عهد الخليفتين أبي بكرٍ وعمر، نبت الخلاف في الأمة، بحيث أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة لم يموتوا ميتة طبيعية، بل غيلة، ونشأت أصول الفِرق الإسلامية في ذلك العهد الراشدي، واستمرّ ذلك فيما بعد، بحيث تعددت الفرق العقدية، واستقلت المذاهب الفقهية وتوسعت المدارس السلوكية الصوفية. وقل مثل هذا في العلوم، حيث تطوّرت علوم الفقه وأصول الفقه، وكذلك علوم اللغة وعلوم الحديث.. في سلسلةٍ لا تنتهي من العلوم. وتطوّر علمان خاصّان بالثقافة الإسلامية هما علم الحديث وعلم الكلام، الأول للتوثيق والثاني للجدل.
وحين توسّع الإسلامُ جغرافياً عبر الفتوحات وغيرها، تأثر كل أصحاب ثقافةٍ بثقافتهم وكل أصحاب حضارةٍ سابقةٍ بحضارتهم، وكل إثنيةٍ بميراثها وطبائعها وبطبيعة أرضها ونفوس أهلها.. ومن هنا انتشرت مدرسة أهل الحديث في الحجاز ومدرسة أهل الرأي في العراق، وكانتا مدرستين مختلفتين اختلافاً كبيراً.
وتأسست المذاهب الأربعة، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، بل إن الشافعي نفسه له مذهبان مختلفان، القديم في العراق، والجديد في مصر. الجغرافيا لها تأثيرٌ ظاهرٌ على قراءات الأديان والفلسفات، وتشكل الثقافات، وكم هو مثيرٌ المشروع الفكري الذي تبناه الدكتور عبدالمجيد الشرفي في تونس، وهو مشروع «الإسلام واحداً ومتعدداً»، والذي صدرت فيه عشرات الأبحاث العلمية الرصينة التي حملت عناوين مختلفةٍ، تحدَّث بعضُها عن «الإسلام العربي»، و«الإسلام الفارسي» و«الإسلام الأسود» جغرافياً، كما تحدث بعضها الآخر عن «إسلام الفقهاء»، و«إسلام المتكلمين» و«إسلام المتصوفة»، و«إسلام الفلاسفة».. وبحسب تعدد الاعتبارات يمكن التقسيم أكثر فأكثر. ذلك التوسع والتشعب في الإسلام، وتأثيره على الأمم والشعوب والمجتمعات التي اعتنقته، يقابله تأثيرٌ آخر، وهو أثر هذه الأمم والشعوب والمجتمعات في تقديم قراءاتٍ متجددةٍ للإسلام نفسه، سعياً لخدمته وشرحه وتوضيحه.
وهذا الأمر أوضح من أن يدلَّل عليه، فتاريخ المسلمين وتاريخ علومهم وعلمائهم يؤكده ويقرره. وبناءً على هذا، فإن الزعم بأن «الإسلام» هو نموذجٌ واحدٌ أو نموذجٌ تاريخيٌ حدث في الماضي أو أنه عاجزٌ عن التفاعل مع معتنقيه من شتى الثقافات والأمم والشعوب، إنما هو تقليلٌ من شأنه وقدسيته ورسالته، ومن هنا فإن غالب مَن يطرح هذا الطرح هم أتباع «الإسلام الحركي»، أو «الإسلام السياسي»، وهم حين يصنعون ذلك فإنهم لا يلتزمون بألفاظ القرآن ومفاهيمه ومصطلحاته، بل يلجؤون لمصطلحاتٍ يصنعونها هم بأنفسهم؛ فمثلاً هم يستخدمون مصطلح «الجاهلية» بمعنى يختلف تماماً عن ورودها في النص القرآني، وهم يتداولون مصطلح «الحاكمية»، وهو مصطلح حديثٌ لم يرد في القرآن الكريم.. وقل مثل هذا في مصطلح «العبودية»، وليس «العبادة»، وغير هذا أكثر مصطلحات الفكر الإسلامي الحديث، بل إن مصطلحات العلوم الشرعية القديمة ليس لها علاقةٌ بمصطلحات القرآن، مثل مفهوم «المصلحة» في أصول الفقه، أو بعض «القواعد الفقهية» في الفقه، وكذلك عشرات المصطلحات في علم الكلام، وهكذا دواليك. وأخيراً، فالإسلام دينٌ سماويٌ، لكن قراءات البشر له في جغرافيات مختلفة، وثقافاتٍ متعددةٍ وعلومٍ متباينة، إنما تؤكد قدسية الدين، وليس قدسية البشر.
*كاتب سعودي


