من المقولات الأثيرة لفيلسوف القرن العشرين برتراند راسل أن «التفكير النقدي هو أداة لتحريرنا من الخرافات»؛ إنها مقولة قد تبدو اعتيادية ولكنها أساسية بل من شروط التغيير الفكري والعلمي، فالنقد شرارة العلم والمعرفة وأساس التطوّر البشري.
حين ننظر إلى إقليمنا وتحوّلاته القويّة نعثر على تحدٍ أساسي متمثلٌ بإرادة الاستقرار والبحث عن الحيويّة الدنيوية، وترسيخ الالتزام بالقانون وتكثيف التعليم وصناعة جيل صاعد قادر على تجاوز أعباء التاريخ وصراعاته القديمة والحديثة.
لقد عاش الإقليم لأكثر من نصف قرن العديد من الأحداث الشرسة، وفتحت التنظيمات الإرهابية أبواب جهنّم، وما كانت الشجاعة الفكرية حاضرةٌ آنذاك بشكلٍ علميّ وبحثي ولم تُدرس هذه الأصوليات بطريقةٍ مؤصلة. لكن ثمة إنسانٌ متفوّق وعالم انتبه إلى هذه الظاهرة بوقتٍ مبكّر؛ إنه الدكتور تركي الدخيل. وأذكر أنه وبعد عمليّة «تفجيرات الحمرا» شرق الرياض في 12 مايو 2003 -وهي عملية خطيرة راح ضحيتها مجموعة ما بين عرب وأوروبيين وأميركيين- بعدها ببضعة أشهر ألقى تركي الدخيل محاضرة مهمة في مدينة الرس غرب القصيم عن موضوع الإرهاب وتحدياته، وكانت مقولاته أساسية في شرح هذا التحدي الخطير.
لاحقاً أخذ الدكتور تركي على عاتقه هذا المشروع لبحثه وشرحه، وأسس أهم مركز دراسات يُعنى بالإسلام السياسي وهو مركز المسبار للدراسات والبحوث (تأسس في عام 2005 في دبي). حتى الآن صدر عن المركز أكثر من ثلاثمائة كتاب بدراساتٍ محكّمةٍ مهمة رصدت الأحزاب والجماعات والحركات الأصولية وبالتزامن مع تحوّلها وانبعاثها المتتالي. إنه لجهدٌ كبير أن يتخصص مثل هذا المركز لدرْس كل تلك الحركات المارقة، والمعادية لمعنى الإنسان والمتواطئة ضد مفهوم الدولة.
لقد شرح الدخيل مشروعه كالآتي: «يملي علي ضميري أن أزور هذا الموقع-أي موقع المركز-يومياً لأعاهد نفسي أن أعمل جاهداً بطموحي وبكفاءة كل الأساتذة الباحثين في المركز لتقديم وصف لا يزيد ولا ينقص عن واقع الحركات الإسلامية بكل ما استطعنا درساً وبحثاً وتنقيباً... إنني بالمركز أضمن التزامه بقواعد العلم وشروط البحث». لم يُكتب عن دور تركي الدخيل في الحراك الثقافي كما يجب ولكن هذه الكتابة هي جُهد المقلّ. لقد أسس لخطين أساسيين أحدهما إعلامي وهو برنامج «إضاءات» والآخر بحثي وعلمي متمثلاً في «مركز المسبار».
وحين أجريتُ مع أبي عبدالله حواراً في جريدة «عكاظ» في 5 مايو 2023 قال: «من النادر لمن أدرك أهمية الصبر في كل عمل عظيم، ومنجز جليل، أن ينتظر أن يحرضه غيره على الصبر. قد يساهم البعض في تحريضك، لكن الدافع الأساس، والحافز الأول، يجب أن يكون قناعتك العُظمى». الخلاصة؛ أن المشروع الذي قدّمه الأستاذ تركي أثّر كثيراً على المشهد الثقافي. إن ما قدّمه عن الإسلام السياسي وخطره كان مبكّراً للغاية، وما كانت هذه صدفة وإنما تعبيرٌ عن مشروع علمي وبحثي رصين.
*كاتب سعودي


