في السنوات الأخيرة، أصبحت منظومة دول مجلس التعاون الخليجي لاعباً يصعب تجاوزه في المعادلات الدولية الراهنة والمستقبلية. ومع اتساع نطاق التأثير الخليجي، يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن لمنظومة مجلس التعاون أن تتحول من قوة إقليمية مؤثّرة إلى شريك رئيسي في صياغة مستقبل المنطقة والعالم؟ تمتلك منظومة مجلس التعاون الخليجي اليوم عناصر قوة نادرة: موقع جيوستراتيجي يشكل محوراًَ للممرات البحرية العالمية التي يمر عبرها ما يقارب 30% من تجارة الطاقة العالمية، واحتياطات طاقة تقليدية ومتجدّدة تؤهّلها لتكون لاعباً رئيسياً في أمن الطاقة العالمي، وفوائض مالية تتجاوز تريليونات الدولارات تُستثمر عبر الصناديق السيادية وتُسهم في تحريك الأسواق وتحفيز الاستثمارات الاستراتيجية، وشبكة علاقات دبلوماسية واسعة ومتوازنة مع الشرق والغرب على السواء، وقدرة متفرّدة على توظيف ذلك في هندسة التأثير وصياغة الأجندات الدولية والتفاعل معها. وهنا تبرز التجربة الإماراتية القائمة على رؤية استراتيجية مبكرة مفادها: «إنّ من يمتلك أدوات المستقبل يمتلك حق المشاركة في صناعته»، حيث نجحت الإمارات في الانتقال  إلى «الشريك المبادر»، سواء عبر استضافة قمم المناخ، أو ترسيخ دبلوماسية الوساطة والتهدئة، أو الاستثمار الذكي في الاقتصاد الجديد، وارتياد الفضاء، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى التوسع متعدد المسارات لشراكاتها الدولية.وبناءً على ذلك، فإن الدور المطلوب من منظومة مجلس التعاون الخليجي لا يقتصر على التنسيق، بل يتطلب انتقالاً إلى مرحلة التكامل الوظيفي في ملفات الأمن الإقليمي، وأمن الطاقة والغذاء، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر. كما يمكن للمجلس أن يطور دورَه من ردود الفعل إلى صناعة المبادرة عبر تأسيس دبلوماسية وساطة مؤسسية، تُقدم مبادراتٍ للحوار الأمني في الخليج والشرق الأوسط، وهو ما بدأت ملامحه عبر المشاركة الخليجية الفاعلة في قمم المناخ، واجتماعات العشرين، والشراكات الاقتصادية الكبرى.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تكمن الفرصة التاريخية في انتقال المنطقة من مورد للطاقة إلى مركز عالمي لصناعة الطاقة بمختلف أشكالها: النفط، والغاز، والهيدروجين، والطاقة المتجددة، إلى جانب التموضع كمركز لرسملة الاستثمارات السيادية الذكية في التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل القيمة العالمية. ويكفي أن نلاحظ أن عدد الشركات الخليجية ضمن قائمة أكبر 500 شركة عالمية يتزايد سنوياً، وأن بعض الاقتصادات الخليجية باتت من بين الأسرع نمواً في العالم.. لندرك حجم التحول الجاري. وهنا يصبح الاستثمار ليس غاية مالية فحسب، بل أداة دبلوماسية واقتصادية في آن واحد.

لكن بلوغ هذا الأفق يتطلب تطويراً مؤسسياً جاداً في الأمانة العامة لمجلس التعاون. فالمطلوب ليس توسيع الهياكل البيروقراطية، بل إنشاء أذرع تنفيذية متخصصة: وحدة للابتكار والسياسات المستقبلية، ومركز للإشراف الاستراتيجي، وآلية موحدة للتفاوض التجاري الدولي، ومنصة متقدمة لصياغة السياسات الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالعالم الجديد لا يُدار فقط بالوزراء والسفراء، بل كذلك بخبراء البيانات، ومهندسي الاقتصاد المعرفي، وصنّاع العلاقات الدولية. وإجابةُ التساؤل الذي بدأنا به هذا المقال، تبدأ من تطوير أدوات العمل المشترك وتعزيز دور الأمانة العامة لمجلس التعاون، مروراً بتكامل السياسات، وتحرير آليات العمل المشترك من ثقل الإجراءات التقليدية.

فبامتلاك أدوات التأثير الاقتصادي والدبلوماسي والتقني، وبناء شراكات دولية متوازنة مع آسيا وأوروبا وأميركا وأفريقيا، وصولاً إلى استثمار النماذج الناجحة وفي مقدمتها التجربة الإماراتية التي فتحت آفاقاً جديدة للحضور الدولي الخليجي وشكّلت نموذجاً عملياً، يتأكد أن صناعة المكانة ممكنة إذا اقترنت الرؤيةُ بالفعل. وإذا ما جرى تعميم هذه الروح على منظومة مجلس التعاون الخليجي، مع تحديث بنيتها وتوحيد رسائلها وتوسيع أفق مبادراتها، فإن دول المجلس لن تكون فقط طرفاً في خرائط القوى، بل شريكاً أصيلاً في رسمها. فالمستقبل لا ينتظر المترددين، ومَن يمتلك القدرةَ على المبادرة يمتلك حق المشاركة في كتابة التاريخ السياسي والاقتصادي للعالم القادم.

*كاتبة إماراتية