يقال حين تتردد بالإجابة غيّر صيغة السؤال، هذا الذي طرأ على الذهن مع تواطؤ الأسئلة حول النظام العالمي القديم مقارنةً بالتشكّل الجديد الذي يجري الآن بالعالم بمحاوره وتحورّاته الكبرى.
قبل أيام أصدر الأستاذ ممدوح المهيني كتابه: «لماذا نفكّر» وطرح من ضمن أسئلة الكتاب ما يتعلق بالإحراجات، التي يواجهها مفهوم النظام العالمي ومدى صموده في ظلّ عاتيات الرياح التي تعصف به.
من هنا أعود إلى هنري كسينجر الذي أشبع موضوع تحولات النظام العالمي بحثاً وهو المنخرط به تبويباً وتأريخاً ونقداً.
في كتابه «النظام العالمي» حاول كسينجر رصد التحولات الأساسية، التي جعلت العالم على ما هو عليه حتى اليوم. وبحسب كسينجر، فإن من أبرز منعطفات التحول في تاريخ البشرية: «اختراع نمط الطباعة القابل للنقل في منتصف القرن الخامس عشر، الأمر الذي وفَّر إمكانية تقاسم المعرفة على نطاق لم يكن متخيلاً من قبل. كان المجتمع القروسطي قد درج على عادة تخزين المعرفة عبر الاستظهار أو عن طريق النسخ اليدوي المضني للنصوص الدينية، أو بوساطة فهم التاريخ بالإفادة من الشعر الملحمي. في عصر الاستكشاف، كان لا بدَّ لما يجري اكتشافه من أن يُفهم، وأتاحت الطباعة فرصة نشر المعلومات. كذلك أدَّى استكشاف عوالم جديدة إلى الحفز على السعي لإعادة اكتشاف العالم القديم وحقائقه، مع تأكيد خاص لمركزية الفرد. وراح الاحتضان المتزايد للعقل كقوة تنوير وتفسير موضوعية يهزُّ أسس المؤسسات القائمة، بما فيها الكنيسة الكاثوليكية العصية على أي هجوم من قبل».
ثم يعتبر صلح ويستفاليا أساسياً في تطور منطق الدولة، باعتباره الاتفاق الأول في العصر الحديث، يقول كسينجر: «في كتابه التنين (Leviathan) المنشور عام 1651 بعد سلام ويستفاليا بثلاث سنوات قام توماس هوبز بتوفير مثل هذه النظرية. تصور (حالة طبيعية) في الماضي حين كان غياب السلطة يتمخّض عن نوع من (حرب الجميع ضد الجميع). وهرباً من مثل هذا الانعدام الأمني الذي لا يطاق بادر الناس، حسب تنظير هوبز، إلى التنازل عن حقوقهم لسلطة سياسية مقابل قيام الأخيرة بتوفير الأمن لجميع من هم داخل حدود الدولة. واحتكار الدولة السيادية للسلطة تم ترسيخه بوصفه الأسلوب الوحيد للتغلب على الخوف الأبدي من الموت العنيف والحرب».
ثم يرى أن التنوير هو ذروة التحولات في العصر الحديث، وبخاصة بما قدمه روسو في نظريته السياسية الثورية، ومن ثم تطوير كانط لمونتسكيو في نظرية «السلام الدائم»، يعتبر كسينجر أن: «الفترة النابليونية كانت عنوان تمجيد التنوير. حيث كان مفكرو تلك الفترة، مستلهمين مثالَي اليونان وروما».
الخلاصة، أن التحول الجاري الآن يعني أن مفهوم الدولة، وصيغ النظام العالمي يمران بتحولاتٍ صعبة، والأخطر دخول البشر إلى «الحالة الفوضوية» التي تحدّث عنها توماس هوبز، كل ذلك قد يؤسّس لصراعٍ على الغذاء، أو انتشار للجريمة، أو تخوف من المستقبل، وهنا مكمن الخطر.
*كاتب سعودي


