في النقاشات الدائرة اليوم حول الدين والسياسة، كثيراً ما يتم الخلط بين الإسلام و««الإسلاموية»»، وهو خلط يؤدي إلى تشويه صورة الإسلام وفهمه فهماً غير دقيق. فالإسلام دين سماوي عمره أكثر من 1400 عام، يقوم على القيم الروحية والأخلاقية، ويتبعه ما يقارب 1.8 مليار إنسان حول العالم. أما «الإسلاموية» (Islamism) فهي فكر سياسي حديث ظهر في القرن العشرين، يسعى إلى توظيف الدين لخدمة مشروع سياسي محدد.
الإسلام في جوهره علاقة بين الإنسان وربه، تقوم على الإيمان والأخلاق والعبادة. وتتمثل أركانه في الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج، وهي عبادات تهدف إلى تهذيب الفرد، وتعزيز القيم الإنسانية، وتحقيق المسؤولية الأخلاقية. وعلى مر التاريخ، عرف الإسلام تنوعاً واسعاً في الفقه والفكر، وتعايشاً مع ثقافات وشعوب وديانات مختلفة.
في المقابل، جاءت ««الإسلاموية»» فكراً سياسياً نشأ في ظروف تاريخية مرتبطة بالاستعمار والتحولات الحديثة، وحاول تحويل الدين من رسالة روحية إلى مشروع سلطوي شامل. وتسعى «الإسلاموية» إلى فرض تفسيرها الخاص للشريعة على الدولة والمجتمع، وغالباً ما ترفض التعددية والاختلاف، وتخلط بين الدين والسلطة السياسية، ما يحوّل الدين إلى أداة للسيطرة بدلاً من كونه مرجعية للقيم.
والفرق التاريخي بين الإسلام و«الإسلاموية» واضح. فالإسلام بدأ في القرن السابع الميلادي مع الوحي الذي نزل على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، بينما ظهرت «الإسلاموية» في القرن العشرين متأثرة بأفكار متطرفة مثل أفكار سيد قطب، التي أعادت تقديم الإسلام كأيديولوجيا صراعية تقوم على التقسيم الحاد بين الناس، وتربط الدين بالهيمنة السياسية.
وعلى صعيد المجتمع، أظهر الإسلام عبر تاريخه قدرة واضحة على التعايش مع غير المسلمين، واحترام التنوع الديني والفكري. أما «الإسلاموية» فتنطلق من رؤية ثنائية تقسّم العالم إلى معسكرات، وتصف المجتمعات المخالفة بأنها جاهلية، وتطالب بالالتزام الأيديولوجي الكامل، وإقصاء ورفض الآخر.
وفي ما يتعلق بالحكم، ميزت التجربة الإسلامية بين دور العلماء ودور الحكام، وسمحت بالاجتهاد والنقاش وتعدد الآراء. بينما تسعى «الإسلاموية» إلى دمج الدين بالسلطة السياسية في نموذج واحد، غالباً ما يتسم بالتشدد والنزعة الشمولية.
وتظهر «الإسلاموية» بوضوح في حركات مثل جماعة «الإخوان»، وكذلك في التنظيمات الإرهابية مثل داعش. فقد تأسست جماعة الإخوان عام 1928 على رؤية سياسية تسعى إلى السيطرة على المجال العام باسم الدين. ومع تطور أفكارها، وخاصة تحت تأثير الفكر القطبي، خرجت من عباءتها تنظيمات متطرفة مثل القاعدة وداعش، التي مارست العنف والتكفير باسم الإسلام.
ولهذا صُنّفت جماعة «الإخوان» تنظيماً إرهابياً في عدد من الدول، من بينها مصر والسعودية والإمارات والبحرين، بسبب دورها في زعزعة الاستقرار وتغذية التطرف. وتجربتها توضح كيف يمكن أن تتحوّل «الإسلاموية» من نشاط سياسي إلى بوابة للتطرف والعنف. فالخلط بين الدين والفكر السياسي المتطرف يظلم المسلمين، ويقوي الخطاب المتشدد، ويضعف جهود مواجهة التطرف. فالإسلام دين أخلاق وسلام، بينما «الإسلاموية» مشروع سياسي يستخدم الدين لتحقيق أهدافه.
صحيح أن بعض المنتقدين يرون أن الفصل بين الدين والسياسة مفهوم غربي، لكن تاريخ الإسلام نفسه يثبت تنوع التجارب السياسية والفكرية، وعدم وجود نموذج واحد جامد للحكم. والاعتراف بأن «الإسلاموية» فكر حديث لا يعني إقصاء الدين من الحياة العامة، بل يمنع اختزاله في أيديولوجيا متطرفة.
الإسلام رسالة روحية وأخلاقية صنعت حضارات، وأسهمت في تقدم المجتمعات، في حين أن ««الإسلاموية»» فكر سياسي حديث ارتبط في كثير من التجارب بالصراع والانقسام. والتمييز بينهما بات ضرورة لحماية صورة الإسلام ودعم الاعتدال، وتعزيز قيم التعايش في عالمنا اليوم.
* مستشار برلماني.


