في العقود الماضية كان تعريف «الأُمِّية» بسيطاً ومباشراً، وهو عدم القدرة على القراءة والكتابة. أما اليوم، وفي ظل ثورة الذكاء الاصطناعي التي باتت جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، فلم يعد هذا المفهوم كافياً لوصف الواقع الجديد، فقد تغير مقياس الأُمِّية، ولم يعد مرتبطاً بالحروف والكلمات، بل بالقدرة على الابتكار، والتعلم المستمر، وفهم التكنولوجيا.
نحن نعيش عصراً غير مسبوق تشير فيه تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 44 في المئة من المهارات الأساسية لدى العاملين حول العالم ستتغير خلال السنوات الخمس المقبلة، نتيجة التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وفي الوقت نفسه يقدِّر تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2025 أن موظفاً من كل أربعة يعمل الآن في مهنة معرضة لتأثير مباشر، أو جزئي، من تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وهذه الأرقام تكشف أننا أمام مرحلة إعادة تشكيل عميقة في سوق العمل، تجعل من غياب مهارات التفكير الابتكاري، والتعامل مع التكنولوجيا، شكلاً جديداً من الأُمِّية: أُمِّية المستقبل.
ولم يعد الابتكار رفاهية، بل هو «اللغة» التي ينبغي لكل فرد إتقانها لمواكبة التغيرات المتسارعة، فالذكاء الاصطناعي لا يهدد الوظائف بقدر ما يهدد العقول غير القادرة على التجدد. وسيظل الشخص القادر على التعلم، وإعادة ابتكار الذات، فاعلاً ومؤثراً، بينما سيتخلف من سيكتفي بمهارات الأمس عن ركب المستقبل.
وفي دولة الإمارات نرى مثالاً حياً على تحويل الابتكار إلى أسلوب حياة، فقد استثمرت الدولة في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، الأولى من نوعها عالمياً، كما استثمرت في البنى التحتية الرقمية المتقدمة، ومراكز البيانات فائقة القدرة، ونماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، مثل النماذج التي طورتها «Core42» و«Falcon LLM»، إضافةً إلى مؤسسات وطنية مبتكرة باتت منافساً عالمياً في مجالات الحوسبة، والأمن السيبراني، والتقنيات المستقبلية.
وهذه المنظومة المتكاملة جعلت الإمارات من أسرع الدول استعداداً لعصر الذكاء الاصطناعي، ليس بالتكنولوجيا فحسب، بل بالإنسان القادر على استيعابها، وتوظيفها.
وأصبح مقياس الأمية الجديد اليوم يُقاس بأسئلة مختلفة: هل نبتكر حلولاً جديدة؟ هل نتعلم باستمرار؟ هل نستطيع توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في خدمة أعمالنا وحياتنا؟ أما من لا يملك إجابات واضحة اليوم، فعليه أن يبدأ فوراً، فالمستقبل لن ينتظر أحداً، والابتكار هو «محو الأُمِّية» الجديد.
المهندس/ ناصر الراشدي
*خبير في حوكمة الذكاء الاصطناعي


