يشهد العالم تحولات متسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي لم تعد مقصورة على المعالجة التقنية للبيانات، وإنما امتد تأثيرها إلى مجالات اجتماعية وثقافية ومعرفية متعددة.

وفي هذا السياق تبرز أهمية توجيه هذه التقنية بما يتوافق مع الهوية الوطنية والقيم الثقافية؛ وهو ما يجعل التكامل بين الذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية ضرورة استراتيجية لضمان أن تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان والمجتمع. وتنطلق العلوم الإنسانية من مركزية الإنسان بصفته فاعلاً واعياً ومسؤولاً عن إنتاج المعرفة، وتوجيهها ضمن إطار أخلاقي وقيمي، ويستند هذا الدور إلى منظومة مفاهيمية تقوم على الاستخلاف، والكرامة الإنسانية، والمسؤولية المجتمعية.

ومن هذا المنطلق يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي أنه أداة معرفية متقدمة تُسهم في دعم القدرات البشرية، وتعزيز كفاءة اتخاذ القرار، مع بقاء الإنسان المرجعية النهائية لضبط مخرجات المعرفة؛ إذ يسعى الذكاء الاصطناعي إلى تحليل كميات ضخمة من البيانات، واستخلاص الأنماط، وتقديم نماذج تنبئية تُسهم في تحسين جودة الخدمات وصنع السياسات في المجتمع من حيث التعليم، والصحة، والسياسة، والثقافة، والأسرة، والإدارة الحكومية؛ غير أن هذه القدرات التقنية، على أهميتها، تظل بحاجة إلى إطار إنساني قادر على فهم السياقات الاجتماعية والثقافية، واستيعاب تعقيدات السلوك البشري، وهو المجال الذي تمثل فيه العلوم الإنسانية محوراً أساسياً.

وتجسد التجربة الإماراتية هذا التوجه بسياسات وطنية متقدمة تضع الإنسان في صميم التحول الرقمي، وتربط الابتكار بالقيم الوطنية والتنمية المستدامة.

وقد أطلقت حكومة دولة الإمارات، بالتعاون مع جهات وطنية وعالمية، ضمن أعمال الاجتماعات السنوية لحكومة الدولة لعام 2025، حزمة من المشروعات والمبادرات الاستراتيجية لدعم ريادتها في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وتعزيز جاهزيتها لمواكبة التحولات التقنية المتسارعة. وفي خطوة مبتكرة أطلقت الحكومة أيضاً مؤشر« AI  في الميدان»، أول اختبار عالمي يقيّم مدى توافق نماذج الذكاء الاصطناعي مع ثقافة الدولة وهويتها الوطنية، وتمثل هذه المبادرة خطوة رائدة تعزز حضور الهوية الإماراتية في التكنولوجيا، وتؤكد ريادة الدولة في مجالي الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، بما يضمن أن تكون الابتكارات التقنية متسقة مع القيم الوطنية وأهداف التنمية المستدامة.

وأكد معالي عمر سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، أن حكومة دولة الإمارات تواصل ترسيخ مكانتها الرائدة عالميّاً في تبنّي تكنولوجيا المستقبل وتطويرها، وتسريع التحول الرقمي الشامل، بما يعزز التنمية المستدامة وتنافسية الدولة على الصعيد العالمي.

ويُعد توجيه المعرفة نتاجاً لتكامل منهجي بين التحليل التقني الذي يوفره الذكاء الاصطناعي، والتحليل القيمي والتفسيري الذي تقدمه العلوم الإنسانية. ويسهم هذا التكامل في إدماج الاعتبارات الأخلاقية، والعدالة الاجتماعية، والتنوع الثقافي في مراحل تصميم الخوارزميات وتطبيقها، بما يعزز موثوقية النظم الذكية وقبولها المجتمعي. ختاماً، يمثل توجيه الذكاء الاصطناعي وفق القيم الوطنية والثقافية الإماراتية مدخلاً أساسيّاً لبناء مستقبل معرفي متوازن تُسهم فيه التقنية في دعم الإنسان، وتظل القيم الإنسانية والإماراتية المرجعية الحاكمة لإنتاج المعرفة وتوظيفها، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، ويعزز مكانة الإنسان الذي هو الغاية النهائية للعملية المعرفية.

نورة الكربي*

*رئيس قسم العلاقات المجتمعية للبحث العلمي، وأستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة.