الضرائب ضرورة لا مفرّ منها. ورغم أن دفعها ليس محبباً لأحد، فإن الحكومات تحتاج إلى الإيرادات لتوفير الخدمات الأساسية. ومع ديونها الضخمة، وشيخوخة سكانها، وتزايد إقبالهم على الإعانات الحكومية، ستضطر الولايات المتحدة إلى زيادة الضرائب عاجلاً أم آجلاً. لكن للأسف، يبدو أن الساسة في أميركا، عبر جميع الأحزاب وعلى كل مستويات الحكم، يبدون عازمين على اختيار أسوأ أنواع الضرائب الممكنة.
وبالفعل فإنه من وجهة نظر اقتصادية، هناك ضرائب جيدة وأخرى سيئة. الضرائب الجيدة هي تلك التي تُدرّ دخلاً دون تغيير سلوك الأفراد بشكل كبير. قد يبدو هذا الكلام مثيراً للجدل، لكن من المفترض أن يختار الناس كم يعملون، وكيف يدّخرون ويستثمرون، وماذا يشترون، بناءً على تفضيلاتهم. يجب ألا يكون هدف السياسة الضريبية، باستثناء الضرائب المفروضة على السلع الضارة كالتبغ والكحول، هو تثبيط الناس عن ممارسة أنشطتهم المعتادة. وإلا، ستواجه الحكومات المزيد من الهدر والتباطؤ في نمو الاقتصاد، مما سيؤدي إلى انخفاض الإيرادات بشكل أكبر. عموماً، ومن منظور الكفاءة، تُعدّ ضرائب الاستهلاك (كضريبة القيمة المضافة) أفضل من ضريبة الدخل، والتي هي بدورها أفضل من ضريبة الثروة.
قد يكون من المنطقي أيضاً إضفاء طابع تصاعدي على النظام الضريبي، ليس بالضرورة لمعاقبة الأثرياء أو لتحقيق مُثل المساواة، بل لأن إيلون ماسك لن يفتقد 20% من دخله السنوي بقدر ما يفتقده شخص يكسب 20 ألف دولار سنوياً. هناك حدود لما يمكن فرضه من ضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة قبل مواجهة مشاكل تتعلق بالكفاءة، فقد يقللون من استثماراتهم أو يلجأون إلى أساليب ملتوية للتهرب من الضرائب، لكن للضريبة التصاعدية فوائدها. وللأسف، لا تحقق أيٌّ من الضرائب المعمول بها حالياً أو المطروحة للنقاش هذه الأهداف.
لننظر إلى الرسوم الجمركية. تشير الأدلة إلى أن المستهلك كان يتحمل في الماضي الجزء الأكبر من تكلفة الرسوم الجمركية. لم تُؤدِّ الجولة الأخيرة من الرسوم الجمركية إلى ارتفاع الأسعار بالقدر الذي توقعه الكثيرون، حيث تحمَّل بعض المنتجين التكاليف، بالإضافة إلى وجود العديد من الإعفاءات. ومع ذلك، من غير المرجح أن يستمر هذا الوضع على المدى الطويل، وسيتعين على الأميركيين دفع المزيد.
تُعدّ الرسوم الجمركية، من وجهة نظر معينة، ضريبة استهلاك، وهذا أمر إيجابي. لكنها في الوقت نفسه ضارة لأنها تُشوّه السلوك الاقتصادي، إذ تفرض ضرائب على السلع والخدمات الأجنبية فقط. ويجادل مؤيدوها بأنها تمنح المنتجين الأميركيين ميزةً سعرية، إلا أن هذه الميزة نفسها تُقلّل من حافزهم على زيادة الإنتاجية والمنافسة. كما تزيد الرسومُ الجمركية من تكلفة المدخلات، مما قد يضع المنتجين الأميركيين في وضع غير مواتٍ.
كان من الأفضل اعتماد ضريبة استهلاك أكثر حياداً، ولا سيما على السلع الكمالية. لكن يبدو أن هدف الرسوم ليس جمع الإيرادات بكفاءة، بل إعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة، أو حماية الأمن القومي، أو تحصيل إيرادات من مصادر أجنبية.
وهناك ضريبة أخرى رائجة حالياً هي ضريبة الثروة. فولاية كاليفورنيا تدرس فرض ضريبة «لمرة واحدة» بنسبة 5% على المليارديرات. إن فرض ضريبة على الثروة جذاب للساسة لأنه، بحكم التعريف، يؤثر في عدد قليل جداً من ناخبيهم. لكنه مكروه لدى واضعي السياسات لأنه بالغ الصعوبة في التطبيق. فمن السهل على الأثرياء الانتقال (هم أو أموالهم)، ولا يتطلب الأمر سوى خروج قلة منهم لتقليص الإيرادات الضريبية. كما يشجّع ذلك الأثرياء على الاستثمار في أصول يصعب تقييمها مثل الأعمال الفنية أو الصناديق الخاصة بدل مجالات أكثر إنتاجية.
وهناك وعدٌ انتخابيٌّ قطعه عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، بفرض ضريبة إضافية بنسبة 2% على مَن يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً. هذه ليست ضريبة ثروة، ولا ضريبة دخل تصاعدية، بل ضريبة ثابتة، وهي مصممة بشكل سيئ للغاية. فمن يتقاضى مليوناً وسنتاً واحداً سيدفع 20 ألف دولار إضافية مقارنةً بمَنْ يتقاضى مليون دولار. هذا التفاوت الحادّ سيُحدث تشوهاتٍ جمّة. عادةً ما تُفرض ضرائب الدخل التصاعدية على كل دولار إضافي من الدخل، أما من يتقاضى مليوناً وسنتاً واحداً، فسيدفع 2% إضافية فقط على ذلك السنت الذي وضعه في الشريحة الضريبية الأعلى.
وفي نهاية المطاف، لعلّ الساسة يعيدون اكتشاف القوانين الأساسية للاقتصاد وحوافز السلوك البشري. وعندها سيدركون حاجتهم إلى الإيرادات ويفكرون بجدية في ما يجب تمويله وبكيفية ذكية. وسيتخلصون من أكبر قدر ممكن من التشوّهات، مثل ثغرات ضريبة الأرباح الرأسمالية وتعديل الأساس الضريبي. ومع قاعدة أوسع، سيتمكنون من خفض المعدلات، وجمع إيرادات أكبر، والحصول على مساهمة أعلى من الأميركيين الأثرياء.
وحتى في ظل مثل هذا النهج، فربما لن يكون هناك ما يكفي لتغطية تكاليف الخدمات الحكومية التي يبدو أن الناخبين يرغبون بها، لذا ستكون ثمة حاجة لفرض ضريبة استهلاك أيضاً. لكن السياسة الضريبية هذه الأيام لا تركز على تحصيل الإيرادات بقدر ما تركز على معاقبة الأجانب أو الأثرياء. وهكذا ينتهي بنا المطاف ليس فقط بضرائب أعلى، بل بضرائب أعلى من أسوأ الأنواع.
*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


