الأسرة الإماراتية لا تنحصر وظيفتها في كونها وحدة البناء البيولوجي للمجتمع، بل تتجاوز ذلك إلى كونها حجر الزاوية في تحقيق الأمن المجتمعي بمفهومه الأوسع، وهو أمن الهوية، وأمن الاستقرار النفسي والاجتماعي، وأمن القيم التي تحفظ تماسك النسيج الوطني عبر الأجيال. ولهذا ظلت الأسرة في الفكر السياسي والاجتماعي لقيادتنا الرشيدة النواة الصّلبة التي يُبنى عليها مستقبل المجتمع الإماراتي، لأن قوة الدولة لا تُقاس بما تحققه من أرقام اقتصادية فقط، بل بقدرة مجتمعها على الصمود أمام التحولات، وبقدرة البيت على إنتاج إنسان متوازن ومتماسك، وواعٍ بذاته وهويته ومسؤوليته.
من هذا المنطلق جاء توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتخصيص عام 2026 عاماً للأسرة، في خطوة تحمل معنى عملياً يتجاوز فكرة الشعار السنوي. فالمسألة هنا ليست احتفاءً رمزياً بقدر ما هي إعلان عن أولوية وطنية تضع الإنسان في قلب عملية التنمية الشاملة والمستدامة، وتتعامل مع التحولات الاجتماعية بعين واعية تحمي المجتمع من التآكل البطيء الذي قد يحدث حين تضعف الروابط داخل الأسرة أو تتغير قرارات الأفراد تجاه الزواج والإنجاب والتربية من دون وعي كافٍ بالدوافع والنتائج.
اللافت في هذا التوجيه أنه يأتي في توقيت عالمي حساس، ففي دول كثيرة تتراجع معدلات المواليد وتتغير خرائط الأعمار داخل المجتمعات، بما ينعكس على التركيبة السكانية والقدرة التنافسية والاقتصادية ونُظُم الرفاه الاجتماعي على المدى البعيد، والإمارات تعيش ضمن هذا السياق العالمي، ما يجعل سؤال الأسرة سؤالاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن أسئلة الاقتصاد والتعليم.
إن القوة الحقيقية لأي دولة لا تُختبر فقط في لحظات الرخاء، بل في قدرتها على حماية نسيجها المجتمعي من التشظي أمام التحولات الديموغرافية والجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم.
الأسرة الإماراتية تواجه اليوم مجموعة من التحديات المركبة التي لا يمكن اختزالها في الجانب الاقتصادي وحده. فنحن أمام تحديات سلوكية وديموغرافية تتجلى في انخفاض معدلات الخصوبة وتأخر سنِّ الزواج، وهي تحديات تتأثر بعوامل متعددة مثل السعي لتحقيق الذات المهنية، وتزايد تكاليف المعيشة، وتغيُّر أنماط الاستهلاك، وارتفاع سقف التوقعات بشأن نمط الحياة. وهذه العوامل حين تجتمع تجعل بناء الأسرة قراراً أثقل من الماضي، وتحوّل فكرة الإنجاب لدى بعض الشباب إلى مشروع مؤجل، بدلاً من كونه جزءاً طبيعياً من مسار الحياة.
ويبرز كذلك تحدي الموازنة بين العمل والحياة الأسرية، في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الالتزامات المهنية. هذا التحدي لا يقف عند حدود الإرهاق أو ضيق الوقت، بل ينعكس مباشرة على جودة التربية وعلى حضور الوالدين الحقيقي في حياة الأبناء. ومن أخطر ما ينتج عنه حين يغيب التوازن والاعتماد المفرط على المربيات في التنشئة اليومية، بما قد يخلق فجوة في نقل اللغة والقيم والهوية داخل مراحل التكوين المبكر للطفل. المسألة هنا لا تتعلق بوجود المربية في حد ذاته، بل بميزان الأدوار داخل البيت: مَنْ يضع القيم؟ مَنْ يصنع العادات؟ مَنْ يروي سردية البيت التي تكبر مع الطفل وتتحول لاحقاً إلى سردية الوطن؟
ثم تأتي التحديات المرتبطة بالمخاطر الرقمية والفضاء السيبراني، حيث أصبح العالم شريكاً في الحياة اليومية للفرد، مما يخلق بيئة غير آمنة للأطفال والمراهقين. ومن أخطر مظاهر ذلك هو ثقافة الترند التي تفرض بعض السلوكيات الدخيلة على الثقافة الوطنية، إضافة إلى الألعاب الخطرة التي تهدد خصوصية الأسرة، عبر استغلال الأطفال والمراهقين وتورطهم في سلوكيات قد تعرّض حياتهم للخطر. وهنا خطر أعمق يتمثل في ضعف التواصل داخل الأسرة نفسها بسبب انشغال الأفراد بعوالمهم الرقمية المنفصلة، مما يضعف الحوار الحقيقي بين أفراد الأسرة.
ومن هنا نصل إلى التحدي الأكثر تعقيداً، وهو تراجع التلاحم الأسري وضعف العلاقات داخل الأسرة. فحين يضعف الحوار، يغيب التفاهم، ويتراكم سوء التأويلات، وترتفع احتمالات الخلافات الأسرية، ويتهدد الاستقرار الأسري من الداخل. وهذه ليست مشكلة عائلية خاصة، بقدر ما هي مؤشر يمسّ الأمن المجتمعي، لأن الأسرة حين تهتز يصبح المجتمع أكثر قابلية للتوتر، وتصبح القيم أكثر هشاشة، ويصبح الأطفال أقلّ حصانة أمام المؤثرات الخارجية.
من كل تلك المنطلقات أجد أن عام الأسرة قد جاء في توقيت مناسب تماماً، بوصفه فرصة لإعادة قراءة واقع الأسرة الإماراتية بعمق، ورصد التحديات لفهمها والسيطرة عليها حتى يمكن تحقيق أمن مجتمعي شامل، من خلال رفع وعي الآباء، وبناء سياسات توازن بين الأسرة ومتطلبات الحياة الحديثة. ومن موقع المسؤولية المجتمعية لكل صاحب وعي وقلب، أنطلق معكم في سلسلة من المقالات على مدار عام الأسرة لرصد التحديات وتحليل جذورها وتقديم رؤية عملية لتجاوزها والسيطرة عليها، تعزيزاً لرؤية قيادتنا الرشيدة الاستراتيجية لمستقبل الأسرة والمجتمع الإماراتي.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.


