الإنسانية لا تعرف لوناً أو ديناً، هي أن تشعر بغيرك، أن تمد يدك لمن يحتاج، أن تكون صوتاً لمن يحتاج أن يُسمع.. قبل أن تكون مسلماً  كن إنساناً، كن قلباً يُدرك معنى العدالة، معنى الألم، معنى الحرية التي يستحقها كل شخص في هذا العالم.
لا تجعل القضايا تُحاصر إنسانيتك، ولا تجعل الكلمات تُفرق بينك وبين الحق، فالحق يبقى حقاً مهما تغيرت الأسماء، والإنسان يبقى إنساناً مهما اختلفت اللغات.
الإنسانية هي أعلى درجات الرقي.. وأساس كل الحضارات.
وتتجسد تلك المعاني في هذه الصورة المفعمة بالحب والمشاعر الإنسانية الجميلة والنابعة من القلب.
وفي قصة مؤثرة تتجاوز الزمن، عاد رجل فرنسي إلى ساحل العاج بعد غياب دام 38 عاماً، بحثاً عن المرأة التي اعتنت به عندما كان طفلاً هناك. كانت تعمل كمربيته في منزل والده الذي استقر في البلد الأفريقي موظفاً خلال تلك الفترة. لم ينسَ الرجل فضلها أبداً، وظلت صورتها محفورة في ذاكرته رغم مرور العقود. وبعد جهد طويل، نجح أخيراً في العثور عليها. لحظة اللقاء كانت مليئة بالعاطفة والدموع، إذ غمرها بالامتنان والتقدير. قدم لها هدية مالية كبيرة بلغت 10 ملايين فرنك أفريقي، أي نحو 16000 دولار أميركي، كما خصص لها راتباً شهرياً يساعدها على تأمين حياة كريمة. هذه اللفتة أثارت الإعجاب وأظهرت عمق الوفاء الإنساني. قصة تذكرنا بأن الخير لا يُنسى، وأن القلوب الطيبة تلتقي مهما طال الفراق .
يحضرني في هذا المقام أبيات شعرية، معبرة عن تلك الحالة السامية للإمام الشافعي، رحمه الله، عندما شدا قائلاً في قصيدته:
النَّاسُ لِلنَّاسِ ما دامَ الوَفاءُ بهِمُ .. والعُسرُ واليُسرُ أوقاتٌ وساعاتُ
‏وأكرمُ النَّاسِ ما بينَ الوَرى رَجُلٌ .. تُقضى على يَدِهِ للنَّاسِ حاجاتُ
‏لا تَقطَعَنَّ يَدَ المعروفِ عن أحَدٍ .. ما دُمتَ تَقدِرُ والأيَّامُ تاراتُ
‏واذكُرْ فَضيلةَ صُنعِ اللهِ إذ جُعِلَتْ .. إليكَ لا لكَ عندَ النَّاسِ حاجاتُ
‏قد ماتَ قومٌ وما ماتَتْ فَضائلُهُم .. وعاشَ قومٌ وهُم في النَّاسِ أمواتُ
وفي سيرة سيدنا يوسف عليه السلام ضياء وشعاع لمن أراد الاهتداء والاقتداء بقبسها ونورها في الواقع البشري، فعندما كان في السجن قيل له  «إنا نراك من المحسنين». وعندما قال للعزيز: «اجعلني على خزائن الأرض..». وقيل له وهو على خزائن مصر: «إنا نراك من المحسنين». المعدن الطيب لا تغيره المناصب ولا المصائب.. فكن محسناً.. حتى وإن لم تلق ٳحساناً من الناس..
كن محسناً ليس لأجلهم.. بل لأن الله يحب المحسنين...
الاعتذار جزء عملي من الإحسان، أحياناً نمارس هذا السلوك الإنساني الراقي، من دون أن نخطئ في حق أحد. نعتذر لحفظ لحظة وِد.. نعتذر لتقوية علاقة.. نعتذر لنوصل العلاقة إلى بر الأمان أو ميناء سلام . نؤمن يقينا بأن كسب العلاقات والأشخاص أهم بكثير مِن كسب المواقف والخلافات. نحن نعتذر: لأننا نحب.. ولأننا نريد أن نبقى.. فأحياناً كسب القلوب أولى من كسب المواقِف. 
نختم بمسك القيادة والريادة، من قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي رعاه الله: «السر في القرب من الناس، هذا هو أكبر درس» ، «هل رأيت الصخرة إذا اعترضت ماء يجري، هل يقف الماء؟ لا يقف بل يذهب يميناً أو يساراً ، لتجاوزها». 
*كاتب إماراتي