تفق الطرفان الأميركي والإيراني على وقف النار واللقاء للتفاوض. لقد استمرت الحرب الضروس لستة أسابيع وأكثر، وأنا أكتب مساء يوم الخميس التاسع من أبريل عام 2026، والمفروض أن لقاء التفاوض الأول يوم السبت الحادي عشر من الشهر ذاته، لكنّ النار لم تخمد بعد تماماً، فإيران لا تزال تقفل مضيق هرمز، مرةً للضغط على أميركا وإسرائيل لوقف قصف «حزب الله»، ذراعها في لبنان، ومرةً أخرى للاختلاف على الرسوم التي تريد طهرانُ فرضَها على السفن التي تعبر المضيق!
لكن على ماذا اختلف الطرفان بحيث اندفعت إسرائيل والولايات المتحدة بحماس نحو الحرب؟ يقال إنّ الخلاف كانت أهم موضوعاته: إيقاف تخصيب اليورانيوم، وإيقاف إنتاج الصواريخ الباليستية، وفي كلتا النقطتين كانت إيران رافضة. والآن يثور التساؤل: ما معنى العودة للتفاوض؟ أميركا زادت مطالبها، ومنها إخراج اليورانيوم المخصَّب من إيران، ومنها فتح مضيق هرمز من دون شروطٍ ولا رسوم.. فهل ستوافق إيران الآن على ما لم توافق عليه من قبل؟! هنا يختلف المراقبون المتخصصون في سياسات إيران وطرائقها في التفاوض والحرب. يقول فريق: ليس من الضروري أن توافق إيران على بنود الرئيس ترامب، لكنها محتاجة لهدنة من أجل التقاط الأنفاس. وحتى ترامب قال إنّ جيش بلاده يحتاج لاستراحة. فإذا كان الأميركيون محتاجين لاستراحة، فماذا يمكن أن يقال عن الإيرانيين الذين ضُربوا عشرات ألوف الضربات من أميركا وإسرائيل؟
الفريق الآخر من المراقبين يعتقد أن إيران قاربت على نفاد مخزوناتها، وأن مَرافقها تعرضت لدمارٍ شديد، لذا كانت محتاجةً للهدنة بإلحاح، أما ترامب فكان راغباً في وقف النار بسبب ضغوط الرأي العام الأميركي، والخوف على مصائر الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر القادم!
مَن هم الذين لا يرون مصلحةً في وقف الحرب؟ أول هؤلاء الإسرائيليون الذين لا يقبلون تنازلات في أي من ملفَّي النووي والباليستي، كما أنه ليس من مصلحة إسرائيل وقف النار مع «حزب الله» اللبناني الذي لا يزال يطلق الصواريخَ يومياً على المستوطنات الإسرائيلية في الشمال وتصل صواريخه أحياناً إلى المدن.
وماذا جنى لبنان حتى يورِّطه الحزب المسلَّح في هذه الحرب الشعواء التي قتلت حتى الآن وجرحت ألوفاً، وخربت عشرات القرى والبلدات والمدن في سائر أنحاء لبنان، وهجّرت أكثر من مليون نصفهم من الأطفال والنساء لا يجد أكثرهم مأوى، وتلاحق إسرائيل الكثيرين منهم بحجة تخفّي عناصر من الحزب بينهم؟!
الحرب الشعواء هذه جدّدت مشكلات لا تستطيع مهما بلغت قسوتها أن تحلّها، كما أنها أثارت مشكلاتٍ ما كانت مطروحةً من قبل مثل مصائر اليورانيوم المخصَّب، وفتح مضيق هرمز، وإمكان تجديد الحزب المسلَّح إطلاق النار على إسرائيل إن تعثرت المفاوضات أو لم تحقق أهدافها لإيران مثلاً! وقبل ذلك وبعده هذه العدوانية على دول الخليج العربية، والتي غيرت العلاقات إلى الأسوأ، ولن تعود بعدها المهادنةُ التي كانت سائدةً من قبل. إن السياسات الإيرانية تصنع العداوات التي تتزايد كل يوم فتقود إلى نزاعاتٍ لا تنتهي. والذي أريد التوصل إليه في هذه الخاتمة أنّ معظم الحروب المعاصرة لا تؤدي إلى نتائج كاسحة، حيث يظل الجمر تحت الرماد. وإذا وقعت رغم ذلك فإنّ مغامرات الأطراف خوفاً من الفشل تنتج لها مشكلاتٍ جديدة. وفي الحرب الحالية، والتي صارت مجموعة حروب، تعقدت المشكلاتُ القديمة وظهرت مشكلات جديدة افتعلتها إيران مع دول الخليج العربية وصنعها «حزب الله» الإيراني مع إسرائيل، وصنعتها إيران نفسها مع العالم كله بسدِّ مضيق هرمز.
ما كان وقوع الحرب ضرورياً، وعندما وقعت ما حلّت شيئاً من المشكلات للأطراف الثلاثة، بل وقع خرابٌ كبير، وتزايدت المشكلات لدى سائر الأطراف أيضاً.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


