يُعد الجيش الأميركي هو الأقوى والأكثر تمويلاً في العالم. مؤخراً، طلبت الإدارة الأميركية من الكونجرس مبلغاً قياسياً قدره 200 مليار دولار لتمويل الحرب في إيران، وذلك عقب إعلانها العام الماضي عن خطة لرفع ميزانية الدفاع الأساسية إلى تريليون دولار.
لا يعني ذلك أن بإمكانها الحصول على كل ما تريد. ففي 14 مارس الماضي، طلب الرئيس دونالد ترامب من حلفاء الولايات المتحدة المساعدة في حماية السفن العابرة لمضيق هرمز.
لم تصل تلك المساعدة بعد، رغم توقيع سبع دول بياناً أعربت فيه عن دعمها لإمكانية تشكيل تحالف لإعادة فتح المضيق، وهي بادرة تفتقر إلى التفاصيل. في غضون ذلك، تتجه قوات من مشاة البحرية الأميركية إلى المنطقة، وتفيد التقارير بأن إدارة ترامب تدرس خططاً لإرسال المزيد من القوات في محاولة لإعادة تشغيل الملاحة التجارية في المضيق.
وقد يشمل جزء من هذا الجهد إزالة الألغام من الممر المائي. وعلى الرغم من تهديدات إيران بنشر الألغام على نطاق واسع، فلا يزال من غير الواضح عدد الألغام التي قد تواجهها القوات الأميركية، إنْ وُجدت. فبعض التقارير تشير إلى تأكيد وجود نحو 12 لغماً في المضيق، بينما يرى آخرون أنه لو كانت إيران قد زرعت الألغام بالفعل، لنشرت مقاطع فيديو لإثبات ذلك.
هذا مجال آخر لا يهيمن فيه الجيش الأميركي بأي حال من الأحوال.
يقول محللون إن إزالة الألغام مهمة شاقة، والبحرية الأميركية غير مستعدة لها بشكل كافٍ. ويستشهدون بتحذيرات تعود إلى عام 1991، والتي سلّطت الضوء على تراجع قدرات البحرية في مجال مكافحة الألغام. آنذاك كتب نائب الأدميرال «ستان آرثر»، قائد الأسطول السابع، قبل نحو 35 عاماً: «نحن بحاجة ماسة إلى إيلاء مزيد من الاهتمام لمكافحة الألغام، وإنهاء الإهمال الذي عانى منه هذا المجال لسنوات».
ووصفت دراسة أجراها مركز الاستراتيجية البحرية العام الماضي هذا الأمر بأنه «ثغرة قابلة للاستغلال في الدفاعات البحرية الأميركية».
وإدراكاً لهذا النقص، قدّر مسؤولون في القيادة المركزية الأميركية - المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط - الأسبوع الماضي أنهم دمّروا 16 سفينة مخصّصة لزرع الألغام وعدداً من مخازن الألغام البحرية.
والخلاصة أن البحرية الأميركية، في أعقاب حرب الخليج عام 1991 والحروب ضد التمرد في العقود التالية، لم تعطِ أولوية كافية لإزالة الألغام.
كما حذّرت الدراسة نفسها من أن الجيش الأميركي كان يُفكك قدراته «المحدودة أصلا» في هذا المجال دون بدائل موثوقة. وأفادت بأن «الوضع الحالي لقدرات إزالة الألغام الأميركية قاتم»، وهو صدى لتحذيرات ممتدة منذ الحرب الكورية، التي تسببت فيها ألغام العدو بـ 70% من خسائر البحرية الأميركية وأغرقت أربع سفن حربية.
في ذروة الحرب الباردة، كانت البحرية الأميركية تمتلك العديد من السفن المتخصصة والمروحيات المخصصة لمكافحة الألغام. وتشير «إيما سالزبوري»، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية، إلى أن «البحرية الأميركية أدركت أن القدرة على إبقاء الممرات البحرية مفتوحة أمرٌ أساسي لأي مهمة أخرى قد تُطلب منها». لكن في العقود اللاحقة، قلّصت البحرية قواتها المتخصصة في مكافحة الألغام. وجاءت «الضربة المؤسسية الحاسمة»، كما تصفها «سالزبوري»، في عام 2006، عندما حلّت البحرية قيادة حرب الألغام.
وتضيف أن هذا أدى إلى تراجع قدرات البحرية في إزالة الألغام مع فقدان تنظيمها المركزي. مع تلك الخسارة، تلاشت الدعوة إلى استخدام كاسحات الألغام «فيما يتعلق بعملية إعداد ميزانية الدفاع».
وكانت البحرية تخطط لاستبدال كاسحات الألغام بسفن القتال الساحلي، لكن هذه الخطة فشلت أيضاً. فقد وجد تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي عام 2022 أن هذه السفن تواجه «تحديات كبيرة، منها ضعف قدرتها على الدفاع عن نفسها ومعدلات فشل مرتفعة في المعدات الأساسية».
يقول «إيثان كونيل»، الباحث الرئيسي في «مرصد أمن تايوان»، والمؤلف المشارك لدراسة مركز الأمن البحري، إن سفن القتال الساحلية القياسية الأخرى تُسحب من الخدمة بعد عامين فقط من دخولها الخدمة بسبب «الكم الهائل من المشاكل» في تصميمها وتقنيتها.
وفي الوقت نفسه، لا تزال ألغام تعود إلى الحرب العالمية الثانية تُكتشف حتى اليوم في البحار وعلى السواحل، ما يوضح استمرار الحاجة لهذه القدرات.
حتى العام الماضي، كانت البحرية الأميركية تمتلك ثماني سفن كاسحة ألغام من فئة «أفينجر»، يبلغ عمرها نحو 40 عاماً ومصنوعة من خشب مُصفح لتفادي تفجير الألغام. لكنها خرجت من الخدمة عام 2025، بينما تتمركز الأربع المتبقية في اليابان، وكان من المخطط استبدالها بسفن LCS مجهّزة بمروحيات متطورة ومركبات سطحية غير مأهولة للبحث عن الألغام. لكن هذه السفن تجاوزت الميزانية بنحو 70%.
ومن أبرز المشاكل أن المركبات غير المأهولة تجد صعوبة في رصد الألغام. ففي اختبارات قبالة سواحل كاليفورنيا، فشلت أحياناً في اكتشاف الألغام، أو رصدت أهدافاً غير موجودة.
حاليا، توجد ثلاث سفن LCS قادرة على أداء هذه المهمة. قاعدتها في البحرين، لكنّ اثنتين منها موجودتان في ماليزيا، والثالثة في المحيط الهندي.وحتى لو وصلت هذه السفن بسرعة وبمعداتها العاملة، فإن عملية إزالة الألغام تستغرق وقتاً طويلاً. إذ يتطلب تجهيز الأنظمة ومعايرتها نحو ست ساعات قبل كل مهمة. وعند اكتشاف لغم محتمل، تُرسل السفينة مركبة غير مأهولة لجمع البيانات وتحليلها. وإذا بقي الشك، تُعاد العملية بنمط مختلف لجمع مزيد من البيانات. وقد تستغرق عملية التعامل مع لغم واحد نحو أربع ساعات - من الاكتشاف إلى التدمير.
*كاتبة أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


