تكثر الروايات والأقاويل عن مواعيد للقاءات من أجل وقف النار الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، ووقف إيران وأذرعها النارَ على دول الخليج العربية، وعلى دول المشرق الأخرى. وهذا أمرٌ جيدٌ إنْ صحَّ، فالدمار والتهجير والقتل ما عاد احتماله ممكناً. لكنَّ لهذا الأمر وجهاً آخر. فالمهادنة والتسوية من جانب أميركا مع النظام الإيراني الحالي تعني بقاء النظام كما بقي بعد ضرباتٍ سابقة. وليس من حق أحدٍ أن يتمنى لإيران المزيد من الدمار. إنما المشكلة أن هذا النظام مثل الزجاج السميك لا ينطوي ولا يرقّ ولا يتغير. فهو إما أن يبقى كما هو أو أن ينكسر ويسقط. وقد راهن كثيرون على سقوطه بالثورانات الشعبية التي تكررت داخل البلاد منذ عام 2000، لكن في كل مرةٍ كان يسقط الآلاف ويبقى النظام ويزداد تشدداً. وسواء أجاءت الضربات من الداخل أم من الخارج، فإنّ سلوك النظام يزداد في كل مرةٍ سوءاً، سواء تجاه شعبه أو تجاه جواره أو تجاه العالم.. فلماذا هذه الطبيعة الغريبة؟
هناك المقولة التي تذهب إلى أنّ الأنظمة الشمولية تسقط إنْ لم تتعمد إيذاء الآخرين وإلهاءهم عنها. وهناك المقولة من أنصار النظام بالداخل والخارج أنّ النظام بهذه التحركات يحقق تقدماً ويحوّل المنطقة إلى «محورٍ للمقاومة» تتزعمه إيران! والسردية الأخيرة أنّ الدنيا حافلة بالمؤمرات على «النظام الإسلامي» بالداخل ومن الخارج. ولذا فإنّ النظام من خلال أذرعه أو بنفسه عندما يضرب ببلدان الجوار إنما يضربهم باعتبارهم متآمرين! وبالطبع هذه كلها أوهام أو خواطر جهلٍ وحُمق. فالجميع يريدون اتقاء الشر ويحاولون ذلك بكل سبيل. ويجيب النظام وتجيب أذرعه بالابتزاز وتطلب التنازلات من السيادة ومن وحدة الأرض والشعب. وما قبلت دول الخليج الشراكة بالدواخل لا لإيران ولا لأذرعها. أما الذين قبلوا، مثل لبنان والعراق وسوريا أيام الأسد، فقد خسروا الأرضَ والأمنَ معاً. فها هو «حزب الله» بلبنان يشنّ حروباً بأوامر إيرانية، فيخسر لبنان الأرضَ والأرواح، ويهجِّر الإسرائيليُّ رُبعَ الشعب اللبناني، ومع ذلك يستمر الحزب في إنشاد أغاني الانتصار والثأر لخامنئي والآخرين المقتولين بعد التحرش بإسرائيل! الحزب الذي اندفع وقال إنه يندفع ثأراً لخامنئي، يعود فيقول الآن، والإسرائيليون يزيحونه إلى خارج جنوب لبنان ويكلِّفونَه آلافَ القتلى، إنه إنما يعمل على تحرير لبنان، وبالطبع لا يصدِّقه أحد.
لدى أنظمة الشمولية الدينية والقومية، مثل إيران وأذرعها، تتكاثر أمراضُ الجمود باعتباره صلابةً، والاستقواء باعتباره قوة، والكبرياء باعتبارها عظمة. ولذلك تبتعد عن الأحكام المتأنية والاعتبار بما حدث بعد أن تهدم كل شيء. ثم إنّ القلة الباقية على رأس السلطة المتصدعة لا يستطيع أحدٌ منها التنازلَ أو المرونة حتى لا يُتّهم بالتخاذل أو الخيانة أو سوء التقدير للصمود العظيم. ولذا يذهبون ويجيئون ويفتخرون أنهم لم يتنازلوا!
الواضح أن الأميركان ما عادوا يريدون الحرب، وإنْ رغب فيها الإسرائيليون في مواجهة إيران و«حزب الله». لكن هؤلاء أنظمتهم غير مهدَّدة، أما النظام الإيراني فهو مهدَّد، ولذلك يكون عليه أن يتجنب استمرار الحرب. لكنه لا يفعل ولم يفعل. فهل يَعتبر هذه المرة بما حدث له ومعه طوال السنوات الماضية، أم أنه الزجاج الذي يصمد للضغوط لكنه ينكسر فجأةً؟
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


