سجل الرئيس دونالد ترامب تراجعاً لافتاً الشهر الجاري، إذ هبط صافي تأييده في ملف التضخم والأسعار، ليعادل أدنى مستوى بلغه جو بايدن خلال رئاسته التي أنهكها التضخم.
وأظهر استطلاع رأي أجرته مجلة «ذا إيكونوميست» بالتعاون مع مؤسسة «يوغوف» للاستطلاعات، أن 29% فقط من الأميركيين راضون عن أداء الرئيس في هذا المجال، بينما أعرب قرابةُ ثلثي الأميركيين، أي نحو 64%، عن استيائهم. ودفعت مشاعر السخط إزاء أعلى معدل تضخم منذ عام 1981 ترامب إلى العودة إلى السلطة في عام 2024، لكن ها قد أصبح التضخم مشكلته الأعوص.
ورغم أن مؤشر التضخم لا يزال أعلى من المعدل المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، وهو 2%، فإن مؤشر فبراير البالغ 2.8% يظل بعيداً من ذروة التضخم، التي شهدها عهد بايدين حين بلغ 7.2% في يونيو 2022. كما ارتفع متوسط الأجر الحقيقي للعامل بنحو 1200 دولار العام الماضي، ما يعني أن القدرة الشرائية تحسّنت في المتوسط، مع زيادة الأجور بوتيرة أسرع من الأسعار.
لكن ما الذي يفسّر استمرار هذا الاستياء الشعبي؟من المؤكد أن سياسات ترامب جزء من الإجابة، فالانخفاض الأخير في شعبيته بشأن التضخم، يعكس على الأرجح أثرَ الحرب مع إيران في أسعار الغاز، وهو ما دفع معدل التضخم في مارس إلى 3.3%، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2023.
 كما رَفعت الرسومُ الجمركية التي فرضها ترامب تكاليفَ المُدخلات وأسعار المستهلكين، في حين أن ضغطه على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، واستخفافه بالعجز الفيدرالي الضخم، تهدد ثقة المستثمرين في التزام الحكومة باستقرار الأسعار.
 وتفسر هذه السياسات الأساسية سبب بدء تراجع ترامب قبل الحرب بوقت طويل. فقد تراجعت شعبيته بسبب التضخم بشكل مطرد طوال عام 2025، من نسبة تأييد صافية بلغت ست نقاط مئوية عند تنصيبه إلى أدنى مستوياتها، وهي مستويات تضاهي ما كان عليه الحال في عهد بايدن، وتسبق حتى الهجوم على إيران.لكن التفسير الأعمق هو أن الناخبين ما زالوا غاضبين من ارتفاع تكاليف المعيشة خلال الفترة التضخمية الممتدة من 2021 إلى 2025. وبالنظر إلى العجز عن خفض هذه الأسعار المرتفعة، فقد ازداد شعورهم بخيبة الأمل.
ووفق استطلاع رأي أجرته شركة «إيكيلون إنسايتس» الأميركية لأبحاث واستطلاعات الرأي وتحليل البيانات، فقد كان 80% من الناخبين المحتملين يعتقدون بأن الرئيس سيخفض الأسعار بمجرد عودته إلى منصبه. لكن رغم انخفاض أسعار البيض وأسعار البنزين حتى وقت قريب، فإن الرؤساء لا يستطيعون التأثير على مستويات الأسعار العامة بشكل مباشر، كما أوحت خطابات حملة ترامب الانتخابية. ولا تزال تكاليف البقالة وفواتير الخدمات العامة وأسعار الرهن العقاري، تُصيب الأسرَ الأميركية بصدمة مالية كبيرة. كما وجد الاستطلاع أن 74% من الناخبين المحتملين لن يعتقدوا بأن التضخم قد انتهى ما لم تنخفض الأسعار. وبما أن ذلك لم يحدث، فإن اللوم يقع على الرئيس! ولو حدث ذلك خلال عام انتخابي، كانت ستُعد مشكلة سياسية كبيرة. فقد أمضت إدارة بايدن، ومعها «الديمقراطيون» في الكونغرس، سنوات في محاولة لتبرئة أنفسهم من المسؤولية، وألقوا بالمسؤولية على تواطؤ الشركات وجشعها، وملاك العقارات، ومصانع تعبئة اللحوم، والمحتكرين للأسعار، وروسيا.. إلخ، لكن ذلك لم يُجد نفعاً في نوفمبر 2024.والآن، وبعد عودته إلى منصبه، يجد ترامب نفسَه أمام الأسباب الحقيقية للتضخم، وهو يريد تجنب التشديد النقدي اللازم لفرض الانكماش، أو حتى انخفاض حاد في التضخم، لأن ذلك يُنذر بخطر الركود. ونظراً لاستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لا يمكنه فرض سياسته النقدية على أي حال. وبدلاً من ذلك، يبحث هو ومنافسوه «الديمقراطيون» عن تدخلات قطاعية لتهدئة الرأي العام.
 ما المشكلة؟ معظم الأفكار المطروحة للنقاش في واشنطن وعواصم الولايات تُخالف أبسط مبادئ الاقتصاد. ففرض ضوابط على أسعار بطاقات الائتمان والإيجار والأدوية سيؤدي إلى نقص في السلع وانخفاض في الجودة. كما أن زيادة الدعم المقدم للرعاية الصحية ورعاية الأطفال سينقل التكاليف في المقام الأول من المستهلكين إلى دافعي الضرائب، مما سيرفع أسعار السوق. إن القيود المفروضة على شراء المستثمرين المؤسسين للمنازل، وتطبيق قوانين مكافحة الاحتكار بصرامة، وإنشاء متاجر البقالة الحكومية، كلها عوامل تُنذر بظهور أوجه قصور جديدة، مثل رفوف المتاجر الفارغة، وانخفاض بناء المساكن، وظهور أسواق سوداء للمواد الغذائية.
ولا تُسهم أي من هذه السياسات في خفض تكلفة الإنتاج، كما أنها ليست ذات تأثير كافٍ على معدل التضخم الإجمالي.
ولو كان السياسيون جادون في معالجة استياء الرأي العام من الأسعار، لبدؤوا بربط الاحتياطي الفيدرالي بقاعدة سياسية واضحة، وتجريده من وظائفه التنظيمية المُشتتة، مما سيُقلل خطرَ تجاهل الاحتياطي الفيدرالي للتضخم، وتشديد سياسته النقدية ببطء شديد. كما ينبغي على الكونغرس السيطرة على الدَّين الفيدرالي، الذي يُهدد استقلالية الاحتياطي الفيدرالي ويؤجج التضخم في المستقبل، مع تزايد الضغط على البنك المركزي لمساعدة الحكومة الفيدرالية على تجنب ارتفاع تكاليف الفائدة.
ومع عدم حدوث ذلك، بإمكان ترامب على الأقل استغلال نزعة التحرر من القيود التي ميّزت ولايتَه الأولى. فالسياسات الحكومية على كافة المستويات ترفع التكاليف على المستهلكين الأميركيين، إذ تُعيق قوانينُ تقسيم المناطق والتراخيص المعروضَ من المساكن، وترفع قيودُ الطاقة والتعريفات الجمركية فواتيرَ الخدمات، وتزيد القيودُ والتعريفات الجمركية على الزراعة من أسعار المواد الغذائية. وكما حدث في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما أدى تحرير قطاعي النقل الجوي والبري إلى خفض التكاليف، فإن تحرير هذه الأسواق قد يساهم في خفض الأسعار بشكل وملموس، بطريقة لا يمكن تحقيقها عبر الخطابات السياسية التي تتناول فكرة «التلاعب بالأسعار».
إن وضع الرئيس الحالي بمثابة تحذير لكل سياسي، فعندما ترتفع الأسعارُ بعد فترات طويلة من الاستقرار، لا تكفي طمأنة الجمهور بأن الأجور ترتفع بوتيرة أسرع من الأسعار.. فالجمهور يُريد تكاليف أقل، دون اللجوء إلى حلول مُؤلمة، أو فرض ضوابط على الأسعار، أو تقديم المزيد من الإعانات. فالسياسيون الذين يلجؤون إلى هذه الأدوات سيجدون أنهم حصلوا على تغطية إعلامية دون حل المشكلة، وبالطبع سيلحظ الناخبون ذلك.

 


*مؤلف كتابَي «الاقتصاد في فيروس واحد» و«الحرب على الأسعار»
 

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»