تتركز المجادلات الأميركية والإيرانية في الأيام الأخيرة حول مضيق هرمز. الأميركيون يقولون إنهم يحاصرونه تماماً، مع الموانئ الإيرانية الأخرى.. والإيرانيون يقولون إنهم هم مَن يَسدُّون المضيقَ إلا على السفن التي تستأذن وتدفع الرسوم!
نصف العالم الذي ما رحّب بالحرب على إيران، ما عاد موقفه متحمساً لوقف الحرب بعد أن أقفلت إيران مضيقَ هرمز. فقد صارت الأزمة بذلك عالمية، خاصة مع إيعاز إيران إلى حزبها في لبنان والميليشيات العراقية للتدخل ضد أميركا وإسرائيل. في المضيق تمر شحنات النفط والغاز بنسبة 20% على مستوى العالم، وهناك سفن تجارية كثيرة جداً، وسفن تحمل الأسمدةَ، وقد قارب موسم الزراعة على الابتداء. وإذا كان الرئيس الأميركي يقول إنّ بلادَه لا تحتاج لاستيراد الطاقة، فهي تحتاج إلى تجارة السفن الضخمة والتي يتعذر مرورها الآن! 
مَن الأكثر تضرراً مِن الإقفال والحصار؟ إنه إيران بالطبع، فهي بأشد الحاجة لتصدير الطاقة، وتخسر من عدم التصدير زهاء خمسمائة مليون دولار يومياً. والأكثر تضرراً بعد إيران هو الدول الأوروبية، سواء في استيراد الطاقة أو في التجارة. وكذلك الأمر مع الصين والهند. وهي الدول الأكثر استيراداً للطاقة في العالم. 
ربما لا تخسر الولايات المتحدة كثيراً. لكنها تخسر في المدى القصير من هيبتها، إذ شنّت الحربَ لكي يأمن العالَمُ من النووي الإيراني ومن الباليستي والميليشيات. يقول الأميركيون إنهم فكروا في مسألة هرمز وإنهم يستطيعون منع الانسداد بالألغام وبالزوارق، لكنّ الانسداد حصل ولم يستطيع الأميركيون الخلاص منه حتى الآن، ولذا لجأوا للحصار حتى العودة للتفاوض أو حتى حصول الاتفاق وفتح المضيق. هم يراهنون على أن الإيرانيين لا يستطيعون الصبرَ طويلاً لأن وضعهم المالي مهزوزٌ جداً من دون تصديرٍ للطاقة. لكنّ الإيرانيين يراهنون على نفاد صبر ترامب الذي صار طول الحرب لغير مصلحته بالداخل الأميركي بل وعلى مستوى العالم!
ولنتأمل إعلام الطرفين. ترامب هو الذي مدَّد الهدنة. وبدلاً من الحديث عن «إبادة الحضارة»، صار يتحدث عن وجود متطرفين ومعتدلين في إيران مع غياب القيادة صاحبة القرار. وهكذا يبدو أن ترامب يريد الإسراع في إنجاز اتفاقٍ مع إيران. أما الإيرانيون فيتظاهرون بالصمود، بل وبالانتصار، ويقولون إنّ مطالب ترامب غير معقولة وتعني الاستسلام، ومنها: تسليمه اليورانيوم المخصّب، ووقف التخصيب لعشرين عاماً.. بينما يريد الإيرانيون الاحتفاظ باليورانيوم ومواصلة التخصيب، ويطمحون للإبقاء على الباليستي وفكّ العقوبات المالية!
لقد حاول الأوروبيون البقاء خارج الحرب وخارج مشكلة هرمز، مما أغضب ترامب. لكنهم الآن يريدون بإلحاح فتح المضيق، وبعضهم يلوّح بالقوة. لكنّ الصين والهند ودولاً أخرى لا تُعد معاديةً لإيران تريد فتح المضيق، في حين ما عاد عند إيران سلاحٌ غيره لتفادي العودة للحرب وتحسين شروط التفاوض.
يراهن خبراء دوليون أنّ الحروب الكبرى ما عادت ممكنة؛ لأن العالم مترابط جداً والجميع يتعرضون للضرر بغضّ النظر عن مديات القوة والضعف بين الهاجمين والمدافعين. بينما يذهب خبراء آخرون إلى أنّ الحرب مضرة بالفعل للجميع، لكن العناد والمطامح الاستراتيجية يمكن أن تبعث على الحروب وعلى الاستمرار فيها.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.