لم تكن مشكلة «الإخوان» وإيران يوماً في رفع الشعارات الدينية، بل في تحويل هذه الشعارات إلى هندسة سياسية لإضعاف الأوطان. كلا المشروعين فهم مبكراً أن الطريق الأخطر إلى الدولة لا يمرّ دائماً عبر الحدود ولا عبر الدبابات، بل عبر الوعي، والجماعة، والمنبر، والخوف، والهوية. لذلك لم يتعاملا مع الدين باعتباره منظومة قيمية تُعزّز السلطة وتدعم استقرارها، بل باعتباره رأسمالاً سياسياً يمكن تشغيله عند الحاجة: مرة باسم الدعوة، ومرة باسم الثورة، ومرة باسم المظلومية، ومرة باسم حماية الأمة. «الإخوان» وإيران ليسا مشروعاً واحداً في الشكل، ولا يتحركان بالأدوات نفسها. «الإخوان» تنظيم عابر للمؤسسات، وإيران دولة عابرة للحدود عبر أذرعها.

«الإخوان» يشتغلون بمنطق التغلغل الطويل داخل المجتمع والدولة، وإيران تشتغل بمنطق المحور، والميليشيا، والساحة التابعة. لكن النتيجة السياسية تكاد تكون واحدة: إضعاف الدولة الوطنية، خلق ولاءات بديلة، وتقديم الدين كغطاء لمشروع لا يقبل أن يكون المواطن حُراً في ولائه السياسي. في التجربة «الإخوانية»، لا تظهر المشكلة فقط في الخطاب الديني، بل في البنية التنظيمية. فالجماعة ليست مجرد تيار فكري أو حزب سياسي، بل عقل مغلق له طبقاته، ومراتبه، وولاءاته، ونظامه الداخلي. يدخل المجال العام بلغة الإصلاح، لكنه يفكر بمنطق التمكين. يتحدث عن الديمقراطية حين تكون طريقاً إلى السلطة، ثم يتعامل معها كعقبة حين تقف أمام مشروعه. يرفع شعار الأمة، لكنه يبني جماعة فوق المجتمع. يتحدث باسم الشعب، لكنه لا يثق بالشعب إلا إذا سار خلفه. أما المشروع الإيراني، فهو أكثر خشونة ووضوحاً في نتائجه. إنه لا يكتفي ببناء تعاطف سياسي أو مذهبي، بل يسعى إلى صناعة أذرُع داخل الدول. حزب مسلّح هنا، ميليشيا هناك، خلية في الظل، منصة إعلامية، شبكة تمويل، خطاب تعبوي، ثم تتحول الدولة المستهدفة تدريجياً إلى ساحة مفتوحة. إيران لا تحتاج دائماً إلى احتلال الأرض، يكفيها أن تحتل القرار، أو تُربك السيادة، أو تزرع داخل الدولة قوةً لا تعترف بمرجعيتها النهائية.

الفارق بين المشروعين في الأدوات لا يُلغي وحدة الخطر. «الإخوان» يريدون اختراق الدولة من الداخل عبر التنظيم والمؤسسات والانتخابات والخطاب الاجتماعي. إيران تريد تطويق الدولة عبر المذهب والسلاح والتمويل والولاء الخارجي. الأول يصنع دولة داخل الوعي، والثاني يصنع دولة داخل الدولة. الأول ينافس الدولة على عقل المواطن، والثاني ينافسها على قرار الأمن والسيادة. وفي الحالتين يُصبح الوطن مجرد مساحة عمل، لا قيمة نهائية تستحق الولاء الكامل. أخطر ما يجمع المشروعين هو احتقار مفهوم المواطنة. فالمواطن في الدولة الحديثة فرد حُر، له حقوق وواجبات، وولاؤه السياسي النهائي لوطنه ودستوره وقانونه.

أما في عقل «الإخوان» فهو «أخ» داخل جماعة، قبل أن يكون مواطناً داخل دولة. وفي عقل المشروع الإيراني هو جزء محتمل من محور قبل أن يكون ابن وطنه. هذه النقطة ليست تفصيلاً نظرياً، إنها أصل الخراب. لأن الدولة لا تستطيع أن تستقر إذا كان داخلها من يرى نفسه تابعاً لتنظيم فوق وطني أو لمحور خارجي. ولهذا تتحول المجتمعات الواقعة تحت تأثير هذه المشاريع إلى مجتمعات قلقة. لا يعود الخلاف السياسي خلافاً طبيعياً بين مواطنين، بل يصبح فرزاً بين مؤمنين بالمشروع وخارجين عليه. لا تعود الدولة مرجعية جامعة، بل طرفاً متهماً. لا يعود القانون سقفاً مشتركاً، بل أداة تُستخدم حين تنفع وتُتجاوز حين تعيق. ومع الوقت تتآكل الثقة: بين المواطن والدولة، وبين المكونات الاجتماعية، وبين الدين نفسه والناس.

 

الدين في هذا السياق يصبح أكبر الضحايا. فـ«الإخوان» حمّلوا الإسلام أخطاء التنظيم، وإيران حمّلت التشيع أثقال الدولة والميليشيا والمحور. وحين يفشل المشروع السياسي، لا يسقط وحده، يسحب معه صورة الدين في الوعي العام. هنا تكمن الجريمة العميقة: أن يُدفع المقدس إلى ساحة السياسة اليومية، ثم يُترك ملوثاً بصراعات السلطة، وأخطاء الحكم، ودماء الميليشيات، وانتهازية التنظيمات. «الإخوان» لا يمثّلون الإسلام السُّني، وإيران لا تُمثِّل التشيع العربي. هذه حقيقة يجب أن تُقال بوضوح، لأن الخلط بين الدين وهذه المشاريع هو بالضبط ما تريده تلك القوى.

السُّنة أوسع من تنظيم، والشيعة العرب أوسع من طهران، والإسلام أكبر من المرشد والفقيه والحزب والميليشيا. المشكلة ليست في المتدين، بل في الذي يحوّل التدين إلى طاعة تنظيمية. وليست في المذهب، بل في الذي يحوّل المذهب إلى خط إمداد سياسي وأمني. ولذلك فإن مواجهة «الإخوان» وإيران لا تكون بخطاب غاضب ضد الدين، ولا بطائفية مضادة، ولا بتخوين جماعي للمجتمعات. هذا النوع من الردود لا يهزم المشاريع المُؤدلَجة، بل يمنحها وقوداً جديداً.

المواجهة الحقيقية تبدأ من الدولة نفسها: دولة عادلة لا تترك فراغاً تستثمر فيه الجماعات، وقوية لا تسمح بولاءات موازية، وواعية لا تخلط بين المواطن الشريف والعنصر التنظيمي، ولا بين التدين الطبيعي والمشروع السياسي المتخفي بالدين.

الأوطان لا تُدمَّر فقط بالقنابل، بل بالأفكار التي تجعل الوطن مؤقتاً، والجماعة أبدية، والدولة خصماً، والخارج مرجعية. وهذا بالضبط ما يجمع «الإخوان» وإيران: كلاهما يريد إنساناً ناقص المواطنة، مشدوداً إلى مركز ولاء خارج الدولة، مرة باسم التنظيم، ومرة باسم المحور. ومن هنا يبدأ دمار الأوطان: حين لا يعود الوطن هو السقف الأعلى، بل محطة في طريق مشروع أكبر منه. الخلاصة أن «الإخوان» وإيران ليسا مجرد خصمين سياسيين، بل نموذجان لاستخدام الدين ضد الدولة. أحدهما يلبس ثوب الدعوة، والآخر يرفع راية الثورة. أحدهما يتحرك عبر التنظيم، والآخر عبر الميليشيا.

لكنّ كليهما ينتهي إلى النتيجة ذاتها: دولة منهكة، مجتمع مشطور، دين مستنزف، ومواطن معلّق بين وطنه ومشروع لا يعترف بالوطن إلا حين يحتاجه.

ولا نجاة لأي دولة من هذا الخطر إلا بتثبيت قاعدة واحدة: لا تنظيم فوق الوطن، ولا محور فوق الدولة، ولا مرشد ولا فقيه ولا جماعة يملكون حق مصادرة قرار الناس باسم الدين. فالدين يبقى كريماً حين يكون ضميراً، ويُهان حين يتحول إلى أداة سلطة. والوطن يبقى آمناً حين يكون الولاء له كاملاً، لا مقسوماً بين جواز سفر في الجيب وبيعةٍ في الظل.

*مستشار برلماني