ليس من السهل أن تتحول سيرة قائد إلى ذاكرة للتاريخ تتجاوز حدود الزمن. فحين يُذكر العظماء الذين لا يتوقف أثرُهم عند حدود الجغرافيا ولا ينتهي بانتهاء الأزمنة، يبرز اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بوصفه واحداً من أولئك القادة الذين صنعوا من القيادة رسالة، ومن الإنسان محوراً، ومن الوطن نقطة انطلاق نحو أُفق أوسع اسمه الأُمة. وفي هذا المقام، يظل الشيخ زايد واحداً من الأسماء التي ارتبطت في الوعي الخليجي والعربي والعالمي بالفكرة القائلة بأن القيادة يمكن أن تكون فعلاً إنسانياً قبل أن تكون ممارسة سياسية.
لم تكن مكانة الشيخ زايد وليدة منصب أو نفوذ أو وفرة موارد، بل جاءت من قدرة نادرة على الجمع بين الحكمة والقوة، بين الرؤية والإنسانية، بين الانتماء الوطني والامتداد الخليجي والعربي.. ولذا لم يكن قائداً لدولة فقط، بل حالة وجدانية وحضارية حاضرة في ذاكرة الناس وضمير المنطقة، حيث كان شعاره على الدوام أن الخير لا وطن له، وأن الكرامة الإنسانية لغة جامعة للشعوب.
آمن الشيخ زايد بأن نهضة الأوطان لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات، بل بما تصنعه من إنسان. فكان مشروعه قائماً على بناء الإنسان، وترسيخ الكرامة والاستقرار والتعليم والتنمية بوصفها أعمدة المستقبل. ومن هنا جاء تميّزه، إذ لم ينظر إلى القيادة باعتبارها إدارة للحاضر، وإنما مسؤولية لصناعة المستقبل دون الانقطاع عن الجذور، وجعل التنمية وسيلة لخدمة الإنسان. وقد تجلّت هذه القيم والتوجهات والرؤى في دوره التاريخي في بناء دولة الاتحاد، ودعمه العملَ الخليجي المشترك، وفي عطائه الإنساني الواسع، ومواقفه الراسخة في نصرة القضايا العربية، ليصبح أثره ممتداً من حدود الوطن إلى فضاء الأمة بأسرها.
وفي البُعد الخليجي، لم يكن الشيخ زايد ينظر إلى الخليج باعتباره بيتاً واحداً ومصيراً مشتركاً فقط، ولا بوصفه مجرد حدود سياسية متجاورة أو مصالح اقتصادية متبادلة، بل باعتباره فضاءً تاريخياً واجتماعياً وثقافياً واحداً، تتقاطع فيه الذاكرة والمصير. ومن هنا جاءت نظرته إلى العمل الخليجي باعتباره خياراً استراتيجياً وحضارياً، لا باعتباره مجرد استجابة ظرفية. لقد آمن بأن استقرار المنطقة لا يُبنى بالقوة وحدها، بل ببناء الثقة، وبالقدرة على تحويل القرب الجغرافي إلى تقارب في الرؤى والمصالح. لذا فقد ارتبط اسمه بدعم كل ما يعزّز حضور الخليج وقوّته وتماسكه، وبفكرة أن ازدهار أي دولة خليجية ينعكس بالإيجاب حتماً على الجميع.
أما عربياً، فقد حمل الشيخ زايد انتماءً تجاوز حدودَ القول إلى الفعل، وظلّ يرى أن الأُمة العربية، مهما اختلفت ظروفها، تظل مرتبطةً بوحدة المصير والهوية والتاريخ. ولهذا ظل داعماً للقضايا العربية، ليس كشعار عاطفي، بل كمسؤولية أخلاقية. ولم يكن حجم الإنجاز أبرز ما تَميَّز به الشيخ زايد عن أقرانه، بل طبيعة الروح التي حملها في وجدانه وسطّرها في مواقفه، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن للأمم لحظات ضعف، لكنها لا تفقدها قدرتَها على النهوض متى وجدت الإرادة، وأن القيادة لا تكتمل إلا بالتواضع، وأن القوة الحقيقية ليست في السُّلطة، بل في الأثر الذي تضيفه للمجتمع، وبأن قيمة الدول لا تُقاس بما تحققه، بل بما تقدمه لشعوبها.
ولهذا لم يبقَ الشيخ زايد في الذاكرة بوصفه مؤسِّس دولة أو قائداً مُلهماً ومتفرِّداً فقط، بل بقي نموذجاً نادراً للإنسان الذي ارتقى بأُمّته، وسخَّر لها كلَّ الإمكانات والموارد، وقدّمها على كل ما سواها. وهكذا يصنع العظماءُ خلودَهم، لا بما يبنونه على الأرض، بل بما يتركونه في وجدان شعوبهم وأمتهم. وليبقى في الذاكرة «القائد الذي أجمع الكل على حبه واحترامه وتقديره».
رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأب المؤسِّس، والقائد، والإنسان، وأسكنه فسيح جناته.
*كاتبة إماراتية


