القصص حين ترتبط بالتاريخ يكون لها تأثيرٌ خاصٌ وجاذبية ممتعةٌ لأنها تقوم على السرد الذي يُغري بالمتابعة، كما أنها تُقدّم زوايا نظرٍ مختلفةٍ وتفسيراتٍ متعددة لأحداثٍ معيشة، عبر المقارنة والاعتبار، كما تكشف الأهداف والغايات وتوضّح زوايا الصراعات والتناقضات في لحظاتٍ تاريخيةٍ معينةٍ.
ومن أفكار كارل ماركس وكتابات فريدريك أنجلز، ولد اليسارُ فلسفياً ليجمع بين تنظيرات هيغل الجدلية، وكتابات فيورباخ المادية الإلحادية، وهو ما نتج عنه لاحقاً «النظام الشيوعي» كنظام حكمٍ سياسيٍ يعبَّر عنه مرةً بـ«الشيوعية» ومرةً بـ«الاشتراكية»، والاشتراكية هي تجلٍ اقتصادي للماركسية أكثر منها تجلياً سياسياً، والتفاصيل كثيرةٌ للتفريق بين المصطلحين. إكمالاً لما تقدّم عن «اليسار في الخليج العربي» سابقاً، فإن تسمية دول الخليج العربي الحديثة بـ«الجزيرة العربية» وترك مسمياتها الرسمية المعتمدة، هي تسمية تتعمّد الخلط بين التاريخ والعلم والأنثروبولوجيا وبين الواقع المعيش والسياسة القائمة التي تطورت تطوراً تاريخياً طبيعياً يمكن رصده والتعبير عنه.
بناءً على ما سبق، فإنه وبعد التأثر الكبير والظاهر بين حركات «اليسار» وحركات «الإسلام السياسي»، فقد تطورت تسمية «الجزيرة العربية» من الكاسيتات والكتيبات لتصبح اسماً لقناةٍ إخباريةٍ، وهو ما دفع المثقف الكويتي «أحمد الربعي»، رحمه الله، لاقتراح اسم قناة «العربية» على مؤسّسي هذه الأخيرة في 2003، باعتبار أن الآخرين أخطأوا في التسمية الأصح. إبان ما كان يُعرف بالربيع العربي كان كثير من المثقفين العرب ضحايا لخطابات «اليسار الليبرالي» الأميركي، وهو نسخةٌ تختلف عن نُسخ اليسار الأخرى المتعددة بحسب الزمان والمكان، فأيدوها فكراً وكتابةً، ودعّموها مؤسسات صحفية وقنوات فضائية، ودافعوا عن سياساتها التخريبية المشؤومة والمجازر الدموية عبر تبريرهم لنشر «استقرار الفوضى» ولتمكين جماعات «الإسلام السياسي».
إبان الحرب العالمية الباردة، ظلّ اليسار عدواً كاشحاً للغرب ودوله، ولكل الملكيات في العالم، ومن هنا جاء التبادل العميق بينه وبين حركات الإسلام السياسي تنظيمياً ومفاهيمياً، خطاباً وأيديولوجيا. وكانت الدول الغربية تُعادي الشيوعية واليسار عداءً محتدماً، وحدثت مآسٍ معروفة تاريخياً مثل «المكارثية» التي قادها السيناتور الأميركي جوزيف مكارثي ضد أعضاء في الحكومة وغيرها، متهماً إياهم بأنهم عملاء للاتحاد السوفييتي.
التأثير الفكري والتنظيمي للتيارات اليسارية عموماً على كل حركات الإسلام السياسي ظاهرة كُتب عنها الكثير، من حيث هي تيارات أيديولوجية شمولية، وقد ظهرت لدى تيارات اليسار في أوروبا والعالم من قبل فكرة «مركسة العلوم»، وهي محاولة لإعادة بناء العلوم الإنسانية بما يتوافق مع الأيديولوجية الماركسية الشمولية وينقيها من التوجهات الليبرالية الرأسمالية. وهذا عملٌ ثقافي وفكري استراتيجيٌ عميق التأثير، ولهذا فهو جرى من قبل ومن بعد، وبناءٌ مثل هذا يحتاج لجهودٍ جبّارةٍ ورؤيةٍ ودعمٍ من أجل وضعه موضع التطبيق وضمان استمراريته.
وهذه المحاولة اليسارية من أجل «مركسة العلوم» مسبوقةٌ تاريخياً - كذلك - بمحاولات أوروبية لـ«تمسيح المعرفة»، أي جعلها مسيحيةً أو «تغريبها»، إبّان لحظة انتقال نتاج الحضارة العربية المسلمة إلى أوروبا وظهور «التيار الرشدي»، نسبةً لابن رشد الفيلسوف، ومحاولات إخفاء الأثر العربي والمسلم على العلوم وتجاوزه إلى الإرث اليوناني القديم. لقد سبّب ذلك الانتقالُ إشكالياتٍ كبرى في الفكر الغربي بوصفه «معرفة غازية»، وكان له أثرٌ في صراعات طويلة مع السلطة الدينية ممثلةً في «الكنيسة»، مما أجبرها على التطور عبر القرون، وهو ما قابله لدينا في العصر الحديث ما عُرف بـ«الغزو الفكري» عندما بدأت العلوم الغربية تُصدَّر بطريقٍ عكسيٍ للعرب والمسلمين.
وأخيراً، فمن السوابق الأقدم، ما جرى خلال العصر العباسي من التوسع في الترجمة لشتى العلوم، ومنها الفلسفات اليونانية والشرقية، ونشوء «علم الكلام» وإبداع كثيرٍ من علماء المسلمين وفلاسفتهم في تطوير تلك العلوم ونقدها والبناء عليها، ومثله اليسار الليبرالي الأميركي وعلاقته بمنطقتنا.
*كاتب سعودي


