قِدت في الفترة بين يومي 15 و17 يونيو الجاري القمة الثانية والخمسون لمجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، في ظروف أقل ما توصف به أنها تتسم بالدقة الشديدة، حيث كانت الأزمة في الشرق الأوسط تمر بأيام حاسمة من مسارها بين استئناف التصعيد أو الرسو على شاطئ التسوية.

كما تزامن انعقاد القمة مع استمرار التصعيد في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، وهي حرب ذات أبعاد عالمية من الناحية الموضوعية، وذلك على الرغم من كل ما بُذِل من جهودٍ قادتها الإدارةُ الأميركية الحالية منذ بدأ ترامب ولايته الرئاسية الثانية مطلع العام الماضي، وشاركت فيها الدول الأوروبية الرئيسية وأطراف أخرى. وهذا فضلاً عن مواجهة أوضاع اقتصادية عالمية مرتبكة، وبالذات بالنظر إلى التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط على مستوى سوق الطاقة العالمي.

وكذلك واجهت القمة هذا القلق المتنامي إزاء طفرة التطور الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي ومخاطرها الأمنية والاجتماعية.
 وكما جرت العادة، فإن الدولة المضيفة تقوم بدعوة عدد من الدول من خارج المجموعة لتعزيز الطابع التمثيلي للقمة فيما يتعلق بهواجس المجتمع الدولي، وفي هذا السياق دعا الرئيس الفرنسي قادة سبع دول، وكان لافتاً أن ثلاثة منهم (أي قرابة نصفهم) قادة دول عربية هي الإمارات وقطر ومصر.

وهو مؤشر لا تخطئه العين على الدور متزايد الأهمية الذي باتت هذه الدول تضطلع به في التفاعلات الإقليمية والدولية.

وكانت مساهمات هؤلاء القادة وتصريحاتهم في سياق القمة خير تعبير عن المواقف المسؤولة لدولهم وللمجموعة العربية بصفة عامة، إذ انطوت هذه المساهمات والتصريحات على الترحيب بمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية كخطوة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولتجنيب المنطقة تداعيات حروب الطاقة التي طالت آثارُها الجميعَ، بالإضافة إلى التأكيد على أهمية التسوية الشاملة للقضية الفلسطينية كمفتاح للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط. كما شدد القادة على دعم سيادة الدولة اللبنانية، وعلى ضرورة حصر السلاح في يد الجيش اللبناني لتمكينه من تأمين الحدود وحفظ الاستقرار الداخلي، مع ضرورة الوقف الفوري والشامل للعمليات العسكرية في لبنان، وانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان.

إلى ذلك طرح القادةُ العرب وجهات نظرهم في قضايا دولية عامة لا تخص المنطقة بالذات، كما في الحديث عن إصلاح المنظومة المالية الدولية لدعم الدول النامية، والمشاركة في الحوار حول أهمية الحَوكمة العالمية الصارمة للذكاء الاصطناعي لضمان خدمته للبيئة، وتجنب مخاطره الأمنية والاجتماعية.

ومن اللافت أن القمة لم تعكس التوتر الذي خيم على العلاقات داخل التحالف الغربي بين الولايات المتحدة وحلفائها، خاصةً إبان الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، حيث رحّبت القمة بالاتفاق الأميركي الإيراني كفرصة لمنع إيران من حيازة السلاح النووي والتصدي لتهديداتها، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. وفي هذا السياق وافقت الولايات المتحدة على مهمة بحرية أوروبية لنزع الألغام.

كما أن الاختلاف بين نهج ترامب والنهج الأوروبي في التعامل مع الحرب الأوكرانية توارى بدوره، وذلك بموافقة القمة على زيادة إمدادات أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة بعيدة المدى لكييڤ، وتشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا. وتمثلت المفاجأة في التوقيع المبكر على مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في قصر فرساي ذي القيمة التاريخية الرمزية بخصوص تسويات الحرب العالمية الأولى، وإن كانت هذه الخطوة قد فتحت الباب للمحللين، لكي يستنتج كلٌّ منهم ما شاء من دلالات لهذا الاختيار.


*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة