المذهب في أصله ليس مرضاً، بل إنه يُصبح لدى البعض إطاراً تفسيرياً للوجود. وهو بنية فكرية تمنح الإنسان هوية، وتوفِّر له معنى، وتنظِّم سلوكه ضمن جماعة. عبر التاريخ، كانت المذاهب مدارس فقهية وفلسفية ومنهجيات القراءة للنصوص، لا مستشفيات نفسية. لكن المشكلة لا تبدأ في الانتماء لمذهب ما، بل في تحوّل هذا الانتماء إلى بنية ذهنية مغلقة.
هنا يتبدل الدور من هوية إلى قيد إدراكي، ومن انتماء إلى تعصب. ما شدّني في الأحداث الأخيرة في المنطقة ليس عدد الصواريخ والمسيرات والحشود العسكرية وتحوّلات العقائد العسكرية بين ليلة وضحاها، لكون الأمر لا يُعد مفاجأة للقارئ المطّلع بالدولة العميقة في الدول الثيوقراطية، ولكن ما لفت انتباهي هو ردود بعض سكان العالم العربي والإسلامي، والدعوة إلى هلاك شعوب الدول العربية والمسلمة التي تتعرض لعدوان سافر استباح حرمة حسن الجوار والدين الواحد، فما الذي يقف خلف مصدر الحقد والغضب غير المبرر تحت كل المقاييس والمعايير الإنسانية والدينية؟
وهنا تحديداً لا بدّ من الحديث عن علم النفس المعرفي الذي يميز بين الاعتقاد العام والاعتقاد المندمج بالذات. عندما يُصبح المذهب أو الأيديولوجية أو التجمهر الشعوري جزءاً من تعريف الشخص لذاته بالكامل، فإن أي نقد له يفسر كتهديد وجودي. كما تبيّن بعض الدراسات في نظرية الهوية الاجتماعية (Tajfel & Turner) أن الأفراد يميلون إلى تعظيم جماعتهم وتقليل قيمة الجماعات الأخرى للحفاظ على تقدير الذات. وفي الظروف الطبيعية، يبقى هذا الميل ضمن حدود التنافس الرمزي، لكن في البيئات المشحونة سياسياً أو اقتصادياً، يمكن أن يتحول إلى آلية دفاع عدوانية.
أما التحول المرضي فيبدأ عند ثلاث نقاط مفصلية: أولاً: إغلاق الدائرة المعرفية، وهو عندما يتوقف الفرد عن استقبال أي معلومة خارج منظومته، ويعتمد فقط على مصادر تؤكد معتقده، ويدخل فيما يسميه علماء النفس التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، وهنا لا يعود الهدف البحث عن الحقيقة، بل البحث عما يدعم الرواية السابقة. ومع الزمن، تتصلب البنية الإدراكية، بحيث تصبح غير قابلة للتعديل حتى أمام الأدلة القاطعة. ثانياً: شيطنة الآخر.
ففي الدراسات المتعلِّقة بالتطرف، وُجد أن نزع الإنسانية عن الطرف المقابل (Dehumanization) يمثّل مرحلة متقدمة من الاستقطاب. وعندما يتحول المختلف مذهبياً من خصم فكري إلى تهديد وجودي أو عدو أخلاقي، تبدأ اللغة بالتغير: من الحوار إلى الاتهام، ومن النقاش إلى التخوين. هذه النقلة ليست لاهوتية، بل نفسية، إنها آلية دفاعية ضد القلق الداخلي والانتماء للمجموعة.
ثالثاً: الاندماج الكُلِّي بين العقيدة والسلوك العدواني. في هذه المرحلة، لا يصبح المذهب مجرد رأي، بل تفويضاً أخلاقياً لأي سلوك دفاعي أو هجومي. هنا يدخل ما يسميه علماء النفس الاجتماعي الاستعلاء الأخلاقي (Moral Superiority Complex)، حيث يرى الفرد أن معاييره مطلقة، وأنه يمثّل الخير في صورته النهائية. لكن هل هذا مرض عقلي بالمعنى الطبي؟ الجواب: في الغالب لا. معظم حالات التعصب لا ترقى إلى اضطرابات نفسية سريرية مثل الذهان أو الوسواس القهري. إنها أقرب إلى نمط تفكير جامد يتعزّز عبر البيئة الاجتماعية والتعليمية والإعلامية.
ومع ذلك، في حالات نادرة، يمكن أن يتقاطع التعصب مع اضطرابات قائمة، مثل اضطراب الشخصية البارانويّة، حيث يفسّر الفرد الأحداث دائماً كتهديد موجه ضده وضد جماعته. البيئات المنغلقة تُزيد من احتمالية هذا التحول. عندما يُحرم الفرد من التنوع الفكري، أو يعيش في سياق سياسي يستخدم المذهب والرأي السائد في الدائرة التي يعيش فيها الإنسان وسيلة تبسيط للعالم المعقد. فالدماغ يميل بطبيعته إلى تقليل الغموض، والتعصب يوفر إجابات سريعة ومريحة، حتى وإن كانت اختزالية. العامل الأخطر اليوم هو الفضاء الرقمي. فالخوارزميات تُنشئ غُرف صدى، حيث يتعرض الفرد مراراً وتكراراً لنفس الأفكار، فيتوهم أنها تُمثّل الحقيقة الكاملة.
ومع غياب الاحتكاك المباشر بالآخر المختلف، تتضخم الصورة الذهنية السلبية دون اختبار واقعي. الحل لا يكون بمحاربة المذهب، بل بفصل الانتماء المذهبي عن الهوية المطلقة. المجتمعات التي تنجح في ذلك تعتمد على ثلاثة أعمدة: تعليم نقدي، مساحة حوار مفتوحة، ونموذج دولة يضمن الحقوق دون تمييز مذهبي.
الدراسات في علم النفس الإيجابي تشير إلى أن الأفراد الذين يمتلكون هوية متعددة الأبعاد (وطنية، مهنية، إنسانية) أقل عُرضة للانغلاق الهوياتي. إذاً المذهب أو الانتماء لمجموعة تُشبهنا ليس مرضاً، لكن تحوّله إلى عدسة وحيدة لرؤية العالم قد يُنتج سلوكاً يشبه المرض في آثاره الاجتماعية. الفرق بين الانتماء المذهبي الصحي والانغلاق المرضي ليس في النصوص، بل في طريقة قراءة النصوص والأحداث. وبينما يوفر المذهب معنى، فإن العقل المفتوح وحده يمنع هذا المعنى من التحول إلى قيد.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


