من المؤسف أن تتحول شخصياتٌ اصطفاها الله تعالى لصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى أهدافٍ لحملات التشويه والطعن، وأن يُستغل التاريخ الإسلامي لإحياء الخلافات وإشعال الفتن، بدلاً من أن يكون مصدراً للعبرة ووحدة الأمة. ومن أخطر ما كرّسه النظام الإيراني عبر مؤسساته ومنابره الدينية والإعلامية ترسيخ خطابٍ يطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، وفي مقدمتهم الصدّيقة عائشة رضي الله عنها.
وليس الصحابة شخصياتٍ عادية في التاريخ الإسلامي، بل هم الجيل الذي اختاره الله لحمل رسالته، ونقل كتابه، وحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبذل الأرواح والأموال في سبيل نشر الإسلام والدفاع عنه. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ… رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي». ولهذا، فإن الطعن فيهم ليس خلافاً تاريخياً بل مساسٌ بجيلٍ زكّاه القرآن وأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتحتل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مكانةً لا تضاهيها مكانة في وجدان المسلمين. فهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ومن أكثر الصحابة روايةً للحديث، وتتلمذ على يديها كبار العلماء، وقد برأها الله سبحانه وتعالى في سورة النور بآياتٍ تتلى إلى يوم القيامة. ومن ثم، فإن الإساءة إليها ليست إساءةً لشخصية تاريخية فحسب، بل تطاولٌ على نصٍ قرآني قطعي وجرحٌ لمشاعر جمهور المسلمين.
ويكثر المسؤولون الإيرانيون من الحديث عن «الوحدة الإسلامية»، غير أن هذه الدعوات تفقد قيمتها عندما تتناقض مع الواقع، وعندما يستمر التساهل مع الخطاب الذي يطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين أو يؤجج الانقسام المذهبي. فلا تستقيم الدعوة إلى الوحدة مع الصمت عن خطابٍ يمس أكثر الشخصيات إجلالاً عند غالبية المسلمين.
والإنصاف يفرض في الوقت نفسه التفريق بين سياسات النظام الإيراني وبين ملايين الشيعة. فليس من العدل تحميل جميع الشيعة مسؤولية ممارسات نظام أو خطابات متطرفة، كما أن كثيراً من علماء وأتباع المذهب الجعفري يرفضون الإساءة إلى الصحابة وأمهات المؤمنين ويدعون إلى احترام مقدسات جميع المسلمين، ويرون أن إثارة هذه الملفات لا تجلب إلا الفتنة وتزيد الأمة انقساماً.
غير أن المشكلة تتجاوز الخلاف المذهبي نفسه، لتصبح مشكلة توظيفٍ سياسي للتاريخ والدين. فعندما يتحول الطعن في الصحابة إلى وسيلةٍ لترسيخ هوية سياسية أو خدمة مشروعٍ إقليمي، فإن القضية لم تعد بحثاً علمياً ولا اجتهاداً فقهياً، وإنما أصبحت أداةً لتغذية الانقسام وإدامة الاستقطاب داخل العالم الإسلامي.
لقد دفعت الأمة الإسلامية أثماناً باهظة بسبب الخطابات الطائفية والصراعات الإقليمية. وفي وقتٍ تواجه فيه تحديات الإرهاب، والتطرف، والفقر، والتدخلات الأجنبية، ما زالت بعض الأطراف تُعيد استحضار صراعات القرون الأولى لتغذية خلافات الحاضر، في مشهدٍ لا يخدم الإسلام ولا المسلمين وإنما يخدم كل من يريد لهذه الأمة أن تبقى منقسمة.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن سياسات النظام الإيراني في المنطقة. فما شهدته العقود الماضية من تدخلات وصراعات وأزمات، رأت فيها دول عربية عديدة، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي، سبباً في تعميق الانقسام وزيادة التوتر وعدم الاستقرار. ولهذا، ينظر كثيرون إلى خطاب طهران عن «الوحدة الإسلامية» باعتباره متناقضاً مع ممارساتها الإقليمية، إذ لا تُبنى الوحدة بالشعارات، بينما تُنتج السياسات مزيداً من الخصومة والاصطفاف.
إن أي دعوةٍ صادقة إلى وحدة المسلمين يجب أن تبدأ باحترام مقدساتهم، ورفض الإساءة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، والتخلي عن كل خطابٍ يؤجج الكراهية المذهبية أو يوظف التاريخ في خدمة الصراعات السياسية. فالوحدة ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات وإنما سلوكٌ وممارسةٌ ومسؤولية.
وسيظل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأمهات المؤمنين، رموزاً خالدة في وجدان الأمة الإسلامية. فهم الجيل الذي حمل الرسالة، ونقل القرآن والسنة، وبذل النفس والمال حتى بلغ الإسلام الآفاق. والدفاع عنهم ليس دفاعاً عن أشخاصٍ وحسب، بل عن تاريخ الإسلام ومصادره الأولى.
وفي المقابل، تُقدّم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً عملياً لما تعنيه الوحدة الإسلامية الحقيقية، إذ تقوم رؤيتها على احترام الجميع وصون المقدسات الإسلامية وترسيخ ثقافة التسامح والتعايش بعيداً عن خطاب الكراهية والاستقطاب الطائفي. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تصبح الإمارات مركزاً عالمياً للتسامح ووجهةً للشعوب والثقافات والأديان، وبيئةً تحتضن النجاح والازدهار والتعايش السلمي. فالدول التي تبني مستقبلها على الاحترام المتبادل تجمع القلوب قبل أن تجمع المصالح… وتصنع الاستقرار قبل أن ترفع الشعارات.
*مستشار برلماني


