ناقش مقال الأسبوع الماضي الأزمة التي ترتبت على التدفق المفاجئ لعشرات الآلاف من المهاجرين إلي مدينة سبتة، ورغم نجاح الحكومة الإسبانية بصفة عامة في إدارة الأزمة، فقد أعادت بالتنسيق مع الحكومة المغربية معظم المهاجرين، إلا أن اليمين الإسباني وجدها فرصة لدعم أطروحاته المعروفة عن قضية الهجرة وخطورتها على قضايا الهوية والأمن وغيرهما.
وثمة ملاحظتان على توظيف اليمين هذه القضية لمصلحته سياسياً، الأولى أن التوظيف لم يقتصر على اليمين في إسبانيا فحسب، وإنما امتد إلى كل فصائل اليمين الأوروبي، وبالذات في إيطاليا وألمانيا وهولندا والدانمارك والسويد وغيرها، بل لقد تجاوزت عملية التوظيف أوروبا لتصل إلى الولايات المتحدة، وتلتحم مع التوجهات المشابهة فيها.
أما الملاحظة الثانية فهي ضرورة الاهتمام بهذه التوجهات والتحركات اليمينية، بالنظر إلى تصاعد قوة اليمين الأوروبي، إذا قورنت بقوته مثلاً في 2015، حين حدث التدفق غير المسبوق للاجئين السوريين لأوروبا، ونذكر كيف استطاعت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أن تمرر سياستها المتسامحة مع اللاجئين، رغم وجود اعتراضات قوية، لكن اليمين الألماني لم يكن قد وصل إلى قوته الآن، ويمكن التركيز في عملية التوظيف اليميني لأحداث سبتة على مسألتين أولاهما الهجوم على الحكومة الإسبانية الحالية، والثانية المطالبة باتخاذ إجراءات عقابية ضد المغرب.
أما الهجوم على الحكومة الإسبانية فله أسبابه الواضحة لدى معسكر اليمين، وأولها مسؤولية الحكومة وفشلها في صد ما أسمته الدوائر اليمينية بالغزو، وهو ما كان يعني لدى هذه الدوائر الغفلة والتراخي وضعف قدرات المواجهة، مع أن الحكومة نجحت كما سبقت الإشارة في إعادة معظم المهاجرين الذين اقتحموا الحدود الإسبانية، بل لقد وصل الهجوم اليميني على الحكومة إلى حد اتهام رئيسها بالتواطؤ لصرف النظر عن اتهامات الفساد التي طالت بعض المقربين منه، وقد وصل الحال في دوائر اليمين الإسباني إلى التلويح بأن عجز الحكومة عن مواجهة مخاطر الهجرة غير الشرعية يطرح بديل المواجهة الشعبية، وهو ما قد ينطوي على أعمال تمس الاستقرار المجتمعي.
أما المغرب فكانت بدورها هدفاً للهجمات، بالنظر إلى المقولات التي ذهبت إلى مزاعم بأن الحكومة المغربية لم تتحرك لمواجهة التدفقات غير المسبوقة للهجرة، كنوع من الاعتراض على بعض توجهات الحكومة الإسبانية، فيما يتعلق ببعض أبعاد قضية الصحراء المغربية، وكذلك بعض توجهاتها الخارجية المتعارضة مع المصالح المغربية، والحقيقة أن تعاون الحكومة المغربية مع نظيرتها الإسبانية في عملية إعادة اللاجئين يُضْعِف من هذه المقولات، وقد وصل الأمر بدوائر اليمين، وتحديداً حزب «فوكس» اليميني المتطرف، إلى المطالبة بتدابير عقابية ضد المغرب شملت تعليق اتفاقيات التعاون والشراكة التفصيلية معه، واستبعاده من تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 التي يتشارك فيها مع كل من إسبانيا والبرتغال، بحجة وجود إشكاليات أمنية وتحديات في ضبط الحدود.
وبغض النظر عن التأثير الفعلي للهجمات اليمينية على الحكومة الإسبانية، أو إمكانية تنفيذ التهديدات بفرض عقوبات على المغرب فإن المهم في أحداث سبتة أنها ألقت الأضواء بطريقة غير مسبوقة على إشكالية الهجرة غير الشرعية وتداعياتها على الساحة الدولية، وهي إشكالية حقيقية. صحيح أنها تتطلب مواجهة أمنية جادة، لكنها وحدها لن تكفي، ما دامت هناك أسباب بنيوية مستمرة للمشكلة.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.


