لا تكمن خطورة الخنق الاقتصادي المتصاعد على إيران في خسائره المالية فقط، بل في السلوك الذي قد يدفع إليه دولة ترى أن مواردها تُستنزف ومنافذها تُغلق، وأن الضغط لم يعد يستهدف تغيير سياساتها بقدر ما يهدد بقاء نظامها. فالدول المحاصرة لا تستسلم دائماً، بل قد تصبح أكثر اندفاعاً، وإذا نجحت واشنطن في تقليص صادرات النفط الإيرانية وإغلاق منافذ الدولار وتشديد الرقابة على الناقلات والمصافي والبنوك، فستواجه طهران تراجعاً في قيمة عملتها، وارتفاعاً في التضخم، وصعوبة في تمويل مؤسساتها وحلفائها.
لكن ذلك لا يعني سقوط النظام سريعاً؛ فإيران راكمت خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات عبر تهريب النفط والمقايضة والشركات الوهمية. وقد تزيد العقوبات سيطرة الحرس الثوري على اقتصاد الظل، بينما يتحمل المواطن والطبقة الوسطى العبء الأكبر. كما تبقى الصين صمام الأمان الأهم لطهران؛ فاستمرارها في شراء النفط الإيراني، ولو بخصومات وعبر وسطاء، قد يمنع وصول الصادرات إلى الصفر.
أما السيناريو الأرجح، فهو استمرار الحالة الرمادية: اقتصاد يزداد ضعفاً، ونظام لا يسقط، ومجتمع يتحمل كلفة متصاعدة، مع بقاء قنوات محدودة للنفط والتمويل. وقد تستمر إيران سنوات بهذه الصورة، من دون تسوية شاملة أو انهيار حاسم.
وأمام الخنق، يظل التفاوض خياراً ممكناً إذا توافر مخرج يحفظ للنظام ماء وجهه. لكن المسار الأكثر احتمالاً والأقل كلفة على طهران هو استخدام حلفائها والجماعات المرتبطة بها في العراق ولبنان واليمن وسوريا للضغط على المصالح الأميركية ودول المنطقة، مع الاحتفاظ بهامش الإنكار.
أما الخيار الأخطر، فهو نقل كلفة الحصار إلى الاقتصاد العالمي عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أو احتجاز السفن واستهداف الناقلات والمنشآت، أو تنفيذ هجمات إلكترونية. وليس ضرورياً إغلاق المضيق؛ فقد يكفي رفع أسعار النفط والتأمين والشحن لإقناع العالم بأن خنق إيران لن يكون بلا ثمن.
وستكون دول الخليج أول المتأثرين بأي تصعيد، حتى إن لم تكن طرفاً في العقوبات. فالمنشآت النفطية والموانئ ومحطات الكهرباء والمياه والمطارات قد تصبح أهدافاً للصواريخ والمسيّرات والهجمات الإلكترونية، بينما سيتعرض العراق لضغوط متعارضة بين واشنطن والقوى الموالية لطهران.
ويبقى السؤال الأخطر: ماذا لو أعلنت إيران غداً أنها ستصنع القنبلة النووية؟
يجب التمييز بين زيادة التخصيب، وامتلاك مواد كافية، وتصنيع سلاح قابل للاستخدام. لكن إعلان القرار أو الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار قد يدفع إسرائيل، منفردة أو بدعم أميركي، إلى ضرب المنشآت النووية. وقد ترد إيران باستهداف المصالح الأميركية ودول المنطقة وتعطيل الملاحة، فتتحول العقوبات إلى حرب إقليمية.
وقد يكون التلويح بالقنبلة ورقة تفاوضية، إلا أن الاقتراب من العتبة النووية قد يُفسر باعتباره نقطة اللاعودة، فيسبق العمل العسكري فرصة التسوية. أما امتلاك السلاح فعلياً، فسيفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي ويغيّر منظومة الأمن الخليجي.
لذلك تحتاج دول الخليج إلى تعزيز دفاعها المشترك وحماية منشآتها وتأمين بدائل تصدير الطاقة، مع دعم مسار سياسي يمنع امتلاك إيران السلاح النووي. فالضغط الاقتصادي من دون هدف سياسي واضح قد يتحول من وسيلة للتفاوض إلى شرارة للتصعيد.
العقوبات تستطيع تجفيف الموارد، لكنها لا تضمن ضبط ردود الفعل. والسؤال ليس: متى تسقط إيران؟ بل: ماذا يمكن أن تفعل قبل ذلك، ومن سيدفع الثمن؟
*لواء ركن طيار متقاعد


