يعد تغيير الأسماء العربية للمدن والبلدات والموانئ والمعالم الجغرافية في إقليم عربستان، المعروف رسمياً اليوم بخوزستان، والساحل الشرقي للخليج العربي، من أبرز مظاهر التحولات التي رافقت سياسات المركزية والفرسنة في إيران الحديثة، لما يحمله الاسم من دلالة على التاريخ والهوية والانتماء.
يقطن العرب في إقليم عربستان ومناطق الساحل الشرقي للخليج منذ قرون، وشهدت المنطقة قيامَ إمارات عربية تمتعت بدرجات من الحكم الذاتي، ومن أبرزها إمارة المحمرة بقيادة الشيخ خزعل الكعبي، أمير إقليم الأحواز. لكن عام 1925 شكّل نقطةَ تحول رئيسة، عندما أنهت حكومة رضا شاه بهلوي حكمَ الشيخ خزعل وفرضت سيطرةَ الدولة المركزية على الإقليم، لتبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من إعادة تنظيم المنطقة ودمجها في النظام المركزي. لا يمكن إغفال تواطؤ الحكومة البريطانية في القضاء على حكم الأمير خزعل الكعبي.
كان تغيير أسماء الأماكن أحد أبرز مظاهر هذه المرحلة. فقد أُعيدت تسمية عدد من المدن والحواضر العربية بأسماء فارسية، فأصبحت المحمرة تُعرف رسمياً باسم خرمشهر، وتغير اسم الدورق إلى شادگان، واسم الخفاجية إلى سوسنكرد، كما استُبدل اسم عربستان باسم خوزستان. ولم يقتصر التغيير على المدن، بل امتد إلى بعض الأنهار والمسطحات المائية والمعالم الجغرافية. وأصبحت التسميات الجديدة معتمدة في الخرائط والوثائق الرسمية والتعليم والإدارة، مما أسهم في طمس الأسماء العربية في المجال العام والذاكرة المكانية.
ورافقت هذه التغييرات سياساتٌ حدّت من حضور اللغة والثقافة العربية في الحياة العامة، فأصبحت الفارسية اللغة الأساسية للتعليم والإدارة، مع قيود على التعليم الرسمي باللغة العربية وعلى النشاط الثقافي والإعلامي العربي.
كما تعرضت بعض مظاهر الهوية العربية، بما فيها الأسماء والملابس والعادات المحلية، لقيود متفاوتة خلال فترات مختلفة، الأمر الذي عزّز الشعور لدى قطاعات من السكان بأن هويتهم الثقافية تتعرض للتهميش.
وفي الجانب الاقتصادي، تتمتع خوزستان بأهمية كبيرة، خصوصاً في مجالات النفط والغاز والزراعة والمياه. ومع ذلك فهي تعاني من الفقر والبطالة ونقص الخدمات وضعف البنية التحتية، إضافة إلى أزمات المياه، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إلى سياسات الدولة الإيرانية تجاه الإقليم.كما تثير سياسات إعادة توزيع السكان والتغييرات الإدارية مخاوف لدى السكان العرب بشأن التركيبة الديموغرافية للإقليم. ويرون أن هذه السياسات ساهمت في إضعاف التواصل الجغرافي للكتلة السكانية العربية وتغيير طابع بعض المناطق، إلى جانب إعادة تشكيل المجال الإداري والجغرافي للإقليم.
وتَظهر أهمية هذا الملف في أن أسماء المدن والموانئ ليست مجرد تسميات، بل تحمل تاريخَ المجتمعات التي أنشأتها وعاشت فيها. فعندما تختفي التسمية القديمة من الوثائق والخرائط والمدارس والاستخدام الرسمي، يتراجع حضورها تدريجياً في الوعي العام، حتى وإن بقيت متداولة بين السكان. ولهذا يطالب السكان بالحفاظ على الأسماء العربية واستعادتها والاعتراف بها، حفاظاً على الذاكرة والتراث، وليس اعتراضاً على تغيير إداري. كما أن استمرار استخدام الأسماء العربية في الخطاب يعكس الصلة بين السكان وأماكنهم، رغم اعتماد التسميات الرسمية الجديدة لعقود. ومن هنا أصبح موضوع الأسماء جزءاً من النقاش الأوسع حول حقوق الأقليات في التعبير عن لغتها وثقافتها وحماية تراثها. ولهذا يُنظر إلى تغيير الأسماء باعتباره جزءاً من قضية أوسع تتعلق بالهوية واللغة والذاكرة التاريخية وحقوق السكان العرب في الحفاظ على تراثهم الثقافي والجغرافي.
ومن المؤكد أن تلك التغييرات سياسة مقصودة، لقطع العلاقة التاريخية بين المدن وماضيها التاريخي وموقعها الجغرافي، ولإنهاء العلاقة الرمزية والاجتماعية بين المناطق وأحداثها التاريخية وذاكرتها المكانية.
ولرمزية الأسماء وقع خاص، دائماً يكون حاضراً في علاقات التفاعل بين دول الجوار، ليشكل عاملاً مساعداً في تعزيز التواصل وتقوية التقارب. ولدى إيران فرصة سانحة لتحويل مسارات الجوار الجغرافي بين ضفتي الخليج العربي نحو تواصل مفيد ونافع للجميع.
*سفير سابق


