لم يعرف أهل اليمن، مع السيطرة «الحوثية»، ما طبيعة نظامهم السياسي، هل ملكية أم جمهورية، أم الإمامة، فلا يبدو لليمن ملامح نظام معين، فالملكية أو الإمامة معروفان من قبل، والجمهورية معروفة، فكيف لليمني التعامل مع جماعة مسلحة، أخذت العاصمة على غفلة، تقود اليمن بالسلاح والعقيدة، وهي إنْ وصلت إلى عدن، في ما مضى، فلم تجد قبولاً لعقيدتها، لأن اليمن على مذاهب، الكل يُجل الإمام زيد بن علي بن الحسين (قُتل122هج)، ولم تُمارس السلطة باسمه، لأن السلطة لا تثبتها العقيدة الدينية، وإنْ وصل «الحوثيون» إلى باب المندب، وهيمنوا على المياه الإقليمية، فأمرهم لا يكون أفضل من الجماعات الصومالية التي هيمنت على تلك المياه، وتحولت إلى قراصنة، وانتهى أمرها سريعاً.
فأهل اليمن اعتادوا أنظمة واضحة، بغض النظر عن صفاتها، جماهيرية أو قبائلية، لكن لم يتقدم عليهم نظام لا ملامح سياسية له كالحوثية، فالعقيدة الدينية للعبادة، وأهل اليمن يتعبدون في مسجد واحد، زيدية أم شافعية، ولا يفصل بينهم الأذان، سواء رفع بحي على خير العمل أم بالصلاة خير من النوم، فكل مصل يصلي حسب مذهبه.
يُقدم «الحوثيون» أنفسهم أنهم زيدية، مِن سلالة أئمة اليمن، وفي آرائهم ما يُنسب إلى «الجارودية»، يقولون بالوصية بالنَّص الخفي، وأن الإمامة في البطنين (الحسن والحُسين)، ودخلوا في السياسة المباشرة، أخذوا يتأثرون بـ«حزب الله»، وخاضوا مِن معقلهم صعدة عدة حروب. بينما كانت الزيدية حلقة وصل بين المذاهب، فهم حنفيو الفروع معتزلو الأُصول -معتزلة بغداد- القائلين بإمامة المفضول. لكن كلما توغَّلت «الحوثية» في الحزبية ابتعدت عن الاعتدال الزَّيدي.
لم يكن لزيد بن علي، صِلةٌ بما ظهر بين أتباعه بعد دهرٍ طويل، حيث الاختراق الحزبي. سيُقال: ألم يكن زيد سياسياً؟! نعم وخاض ثورة، لكن مَن يقرأ المقدمات لا يجدها مثلما بنى عليها المتأخرون مِن الثَّائرين، فبعد الثورة الأولى يتحوَّل شعار الحركات التي تأتي بأثرها: «يا لثارات...»!
ولو دُقق بالحركة الحوثية نفسها تجد هذا الشّعار بارزاً، بمعنى أن الحركات ذات المنحى الديني والمذهبي ليست لديها إلا العودة للماضي. لم يترك زيد كتاباً بث فيه عقيدته في السُّلطة، ففي ذلك الوقت كان التَّدوين ضعيفاً، وكذلك الحال مع بقية الأئمة والفقهاء، لكنّ مع ذلك أصبحت له نظرية وعقيدة، شُيد على أساسها المذهب الزَّيدي، واختلفت الفرق داخله، بين المعترف بالخلفاء الرَّاشدين، وفق الفاضل والمفضول، وغير المعترف، وأن زيداً لم يجب مَن سألوه البراءة من الخليفة الأول والثَّاني، وأن يكون خروجه طلباً للثأر، فرفضوا الخروج معه (الحميري، الحور العين)، فعرفوا هؤلاء بالرافضة. كذلك أن زيداً اعتبر الوصية لجده الإمام علي بن أبي طالب، إمامة العِلم في الدِّين لا إمامة السِّياسة (المصدر نفسه، ابن المرتضى، المُنية والأمل)، وصاحبا المصدرين مِن كبار علماء الزَّيديَّة.
أقول: إلى أين يريد «الحوثيون» الوصول، وهم يرون أن المنطقة بدأت تتغير، وليس أعمق من مياه باب المندب، المياه التي تمثل مصالح عالمية، كان وما زال ممراً رئيسياً، كيف لجماعة مسلحة، لم تجد تأييداً دولياً، تنجح في الهيمنة على هذا الباب البحري وتشترط ما تريد، ومنه تثبيت نظامها على اليمن كافة، وتهدد عبره مَن تشاء، ومن يقرأ اعتدال الزيدية، وما نقل عن الإمام زيد، وحتى الأئمة الذي حكموا اليمن باسمه لا يقرون المغامرة في باب المندب أو غيرها من ممرات المياه الدولية.
*كاتب عراقي


