أصبح التوسع السريع في مراكز البيانات أحد أكثر الظواهر الملموسة لثورة الذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول تأثيراتها البيئية والاقتصادية والاجتماعية يهدد مستقبل تطورها، وهو أمر مبرر. فرغم أن الاقتصاد الرقمي يُنظر إليه غالباً ككيان غير ملموس، إلا أن كل خدمة سحابية وتطبيق للذكاء الاصطناعي يعتمد على بنية تحتية مادية ضخمة تشغل مساحات من الأراضي، وتستهلك الطاقة والمياه، وتتطلب استثمارات متزايدة باستمرار.
وتشير التجارب الدولية إلى أنه مع توسع قطاع مراكز البيانات، تظهر توترات متزايدة. ففي أيرلندا، استحوذت مراكز البيانات على 21% من استهلاك الكهرباء في البلاد عام 2023، ويتوقع أن تصل تلك النسبة إلى 32% العام الجاري. وفي أميركا، يُتوقع أن تتضاعف حصتها من الطلب على الكهرباء ثلاث مرات، من 4% عام 2023 إلى 12% بحلول 2028. وليس من المستغرب، أن يصبح هذا الأمر مصدراً للقلق السياسي والشعبي المتزايد. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» أن 71% من الأميركيين يعارضون إنشاء مراكز بيانات في مجتمعاتهم المحلية.
وبجانب المخاوف المتعلقة باستهلاك الطاقة والمياه، تتزايد الأدلة على آثار محلية أخرى غير مرغوب فيها. فقد رصد باحثون بجامعة كامبريدج ظاهرة أطلقوا عليها «تأثير الجزر الحرارية الناجمة عن البيانات»، حيث يمكن للمنشآت الضخمة أن ترفع درجات الحرارة في المناطق المحيطة بها. كما كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون بجامعتي ييل وشيكاغو عن وجود علاقة بين إنشاء مركز بيانات جديد وارتفاع أسعار المساكن المجاورة.
وفي ظل هذه الحقائق، لا يكمن السؤال في أهمية مراكز البيانات، فهي ضرورية بالفعل، بل السؤال يتعلق بكيفية تطويرها. فما هو نوع مراكز البيانات الذي نحتاجه؟ ومن سيتولى تنظيم توسعها؟
وتعلمنا التجارب الاقتصادية أن التنظيم الاستباقي أكثر فاعلية من التدخل بعد وقوع المشكلة. وبالتأكيد، هو أفضل من عدم التدخل على الإطلاق. فوضع قواعد واضحة منذ البداية يتيح التمييز بين المشروعات المسؤولة والمشروعات غير المستدامة، ومواءمة حوافز القطاع الخاص مع المصلحة العامة، وضمان أن اقتران الاستثمار والنمو مع حماية الموارد الحيوية والمجتمعات المحلية.
كما تقدم التجارب الدولية درساً مهماً، فقد شددت أيرلندا قواعدها فقط بعد أن أصبحت مراكز البيانات مصدراً رئيسياً للضغط على شبكة الكهرباء. وفي أميركا، فرضت ولاية نيويورك وقفاً مؤقتاً، فيما واجه عدد متزايد من المشروعات تأخيرات أو إلغاءً مع تصاعد المقاومة المحلية. ولا يمكن أن يكون الدرس أوضح من ذلك: إن الفشل في التخطيط والتنظيم منذ البداية ينتهي إلى تكلفة أعلى وفاعلية أقل.
ولا تزال إسبانيا بعيدة عن مواجهة تلك الضغوط. ومع ذلك، فقد أثار الاقتصاد الأميركي القوي والقدرة على إنتاج الطاقة المتجددة اهتماماً هائلاً من المستثمرين ببناء مراكز البيانات، ما يعني أن احتياجاتها من الطاقة ستتجاوز بالتأكيد التوقعات. وتصل التقديرات الحالية للطلب على الكهرباء اللازمة للقدرة الحاسوبية إلى 4 جيجاوات بحلول عام 2030، لكن طلبات إنشاء هذا النوع من المنشآت والتراخيص الممنوحة لها تتجاوز هذا الهدف بعدة أضعاف.
ورغم أن الكثير من تلك المشروعات قد لا يتحول إلى واقع، فإن الاتجاه التصاعدي السريع واضح، حيث نقترب من نقطة تحول، وعلينا التحرك للبقاء في المقدمة. وفي أغسطس الماضي، أطلقت حكومتي مشاورات عامة بشأن إطار تنظيمي جديد صُمم لتحقيق هذا الهدف تحديداً. وينطلق المقترح من مبدأ واضح ومباشر، مفاده أن الوصول إلى شبكة الكهرباء أصل استراتيجي نادر، ولا ينبغي أن تعوقه مشروعات تفتقر إلى المصداقية أو الجدوى أو إلى مساهمة ذي معنى في الاقتصاد والمجتمع.

ويتضمن مقترحنا معايير لكفاءة استهلاك الطاقة والمياه، إذ سيتعين على مراكز البيانات الإفصاح عن مؤشرات الأداء الرئيسية، مما يتيح لنا تقييم ومقارنة معدلات استهلاكها للموارد والحد من الهدر.
كما يجب أن تقترن أي زيادة في الطلب على الكهرباء بتوفير قدرات إضافية من الطاقة المتجددة، مع تغطية جزء كبير من استهلاك مراكز البيانات عبر مشاريع جديدة للطاقة النظيفة، إذ لا ينبغي لمستهلكي الطاقة الجدد أن ينافسوا الطلب القائم أو يزيدوا من الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل ينبغي لهم أن يسهموا في تحفيز الاستثمار في عملية التحول الطاقي.
وتقر اللوائح أيضاً بأن مراكز البيانات أصل استراتيجي. ففي عالم لا تزال فيه أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الرقمية غير الأوروبية، يجمع الإطار بين ضمانات تتعلق بكيفية التحكم في البيانات وإدارة البنية التحتية، وحوافز تهدف إلى توسيع قطاع التكنولوجيا في أوروبا وتعزيز سيادة القارة.
يجب أن يتمحور هدفنا حول التبادل القائم على البايتات أي البيانات، لا على الوات أي الطاقة، حيث تسعى إسبانيا إلى الاستفادة الكاملة من الفرص التي تتيحها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، غير أن التحدي يكمن في ضمان توسع البنية التحتية بما يتماشى مع قدرة شبكة الطاقة، وتوجيه موارد الطاقة الثمينة نحو مشاريع ذات جدوى، وتحقيق استقلالية تكنولوجية أكبر لأوروبا في النهاية.إن الغاية ليست إبطاء النمو أو تقييد الابتكار، بل على العكس، فالهدف هو ضمان استدامة العمليات اقتصادياً، وتحقيق العدالة البيئية والاجتماعية. وستكون الدول التي تدرك تلك الحقائق هي الأكثر تأهيلاً لقيادة المرحلة المقبلة من الاقتصاد الرقمي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*رئيس وزراء إسبانيا