يفخر الاقتصاديون بقدرتهم على تقديم توقعات دقيقة إلى حد معقول بشأن الاقتصاد، أو على الأقل، تكوين تقديرات مستنيرة حول مساره المستقبلي. لكنني أجد نفسي أمام موقف يبعث على القلق، يتضمن ثلاثة تصورات مختلفة لمستقبل الاقتصاد الأميركي، لكل منها تداعيات على السياسيين والسياسات والشركات والمستثمرين. ومجتمعة، تشير إلى ضرورة الاستعداد لمرحلة اقتصادية بينية خلال السنوات المقبلة.
والخبر السار أن الاقتصاد الأميركي تعلم كيف يتحمل الضربات المتكررة؛ فقد اجتاز عبر نظام مرن وقادر على الصمود سلسلة صدمات، من الجائحة وقفزات أسعار الطاقة المرتبطة بالصراعين في أوكرانيا، وإيران إلى عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية، مع الحفاظ على نمو قوي وتجنب تكرار موجة التضخم في 2022.
وقد أكد الاحتياطي الفيدرالي منذ أيام مواصلة جهوده لكبح التضخم، حيث رفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 25 نقطة أساس، واصفاً حالة الاقتصاد بأنها تزداد قوة. ويرى التصور الأول أميركا في حالة توازن واستقرار، حيث ينحني الاقتصاد أمام الصدمات دون أن ينكسر، ثم يعود إلى متوسطه. وكانت آثار الصدمات مؤقتة وقابلة للعكس، وهو ما يفسر حرص المستثمرين على «تلاشي أثر الصدمات» والنصيحة بالإبقاء على كامل الاستثمارات في الأسهم والسندات. ويحث صانعو السياسات على الاستمرار في النهج الحالي.
ورغم انتقاد هذا الموقف باعتباره دفناً للرأس في الرمال، إلا أنه أثبت نجاحاً باهراً للمستثمرين حتى الآن. أما التصور الثاني فهو أقل تفاؤلاً، ويركز على مؤشرات رقمية تتجه نحو مسار مضطرب، فقد تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات 5%، ما يزيد تكلفة خدمة الدين الوطني البالغ 40 تريليون دولار، وبلغ متوسط البنزين 4.37 دولار للغالون، ووصلت معدلات الفائدة على الرهن العقاري إلى 7%. وتفاقم الاحتكاكات الجيو-اقتصادية، ومنها الحرب التجارية بين ترامب وكندا، تلك الضغوط. وفي ظل عدم الاستقرار، من الحكمة أن يعيد المستثمرون توجيه استثماراتهم بالخروج من الأصول الأضعف، مثل السندات مرتفعة العائد، والتوجه نحو الشركات التي تتمتع بميزانيات عمومية متينة للغاية، وقدرة على التحكم في الأسعار، وإدارة كفؤة.
أما بالنسبة لصناع السياسات، فيجب أن ينصب التركيز على «الاحتواء»، أي تبني استراتيجيات هجومية ودفاعية معاً، للحيلولة دون تفاقم عوائق النمو، مثل تكاليف الاقتراض المرتفعة التي تقوض سوق الإسكان الهش، وتزيد من سوء التوقعات المالية، وترفع مخاطر تهديد الاستقرار المالي. أما التصور الثالث، فينظر إلى الاقتصاد من منظور هيكلي طويل الأجل، ويرى أن الاقتصاد يمر بتحول عميق من ماضٍ مألوف إلى مستقبل غير محدد المعالم.
ومن هذا المنظور، يقتضي الأمر توخي الحذر وتقليص الانكشاف على الأسهم والسندات لصالح السيولة النقدية، مع تعامل واشنطن باستباقية مع التحول الهيكلي. وتحمل التصورات الثلاثة صورة شاملة بالغة الأهمية. فالتصور الأول يرصد صلابة اقتصاد استوعب صدمات كانت ستعطل اقتصادات أخرى. وبفضل الإنفاق المتزايد المرتبط بالذكاء الاصطناعي، الذي يبلغ نحو تريليون دولار عالمياً العام الحالي، دفعت هذه الديناميكية مؤشرات الأسهم إلى مستويات قياسية متكررة. وسجل مؤشر «إس آند بي» 27 مستوى قياسياً العام الحالي، استكمالاً لنحو 40 العام الماضي، مما يولد ثروة تواصل تحفيز الإنفاق لدى الأسر مرتفعة الدخل. لكن التصور الثاني يحذر من هذه القدرة على الصمود.
فقد جرى استنزاف احتياطيات اقتصادية ومالية حيوية، من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، عند أدنى مستوى له منذ 1982، إلى الميزانيات المتزايدة الضغوط للأسر منخفضة الدخل. كما غذت تلك القدرة اختلالات داخلية وعالمية، منها ارتفاع عوائد السندات وتقلبات أسواق العملات وتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل. أما التصور الثالث فيرى أن اضطراب العالم يعكس تفكك النظام السابق القائم على العولمة، الذي يتسم بنقاط اختناق بحرية مثل مضيق هرمز، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وغياب التنسيق الدولي. وقد هدد ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي «ناتو»، بينما يسعى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى تحالف بلاده مع الاتحاد الأوروبي.
ويزيد الذكاء الاصطناعي كل ذلك تعقيداً. ويصفه جيمس مانيكا، رئيس قسم الأبحاث والذكاء الاصطناعي في شركة «جوجل» بأنه ثورة صناعية متسارعة مقترنة بالقفزات المعرفية. ويمكن للثورات التكنولوجية أن تكون «تقنية للأغراض العامة»، مثل الكهرباء، التي تحسن التصنيع والإضاءة وتتيح ابتكارات، أو «اختراعاً لطريقة الاختراع»، مثل الذكاء الاصطناعي، الذي يفتح مجالات استكشاف لم تكن متخيلة. وعلى الصعيد المحلي، تراجعت المبادئ التقليدية لما يُعرف بـ «توافق واشنطن»، الذي يشمل الانضباط المالي، وتحرير الأسواق من القيود التنظيمية، والحد الأدنى من التدخل الحكومي، لتفسح المجال أمام حقبة «الجيو-اقتصاد»، حيث باتت السياسات والنتائج تُملى بشكل متزايد وفق ضرورات الأمن القومي، والاعتبارات الجيوسياسية، والضغوط السياسية الداخلية.
وتخرج تلك السيناريوهات عن المألوف إلى وجهة مجهولة، ما يفرض قبول نطاق واسع من النتائج، إذ لا يوجد سيناريو أساسي يحظى بترجيح واضح. لكنه يعني أن على القادة التخطيط لمجموعة من الاحتمالات بدلاً من الاكتفاء بتوقعات قائمة على إجماع واحد ثابت. وهذا يفسر ضرورة الاستعداد للتقلبات.
ففي غياب ركائز السياسات التقليدية، علينا التكيف مع نتائج أكثر تبايناً وتحولات سوقية أكثر تكراراً وقدرة أفضل على تخفيف المخاطر. وستعتمد قدرة الدول والشركات على التفوق ليس فقط على الحفاظ على مزاياها، بل على المرونة المؤسسية والقدرة على العمل في ظروف متنوعة، بعد اختبارها مسبقاً، مع تبني عقلية أكثر انفتاحاً.إن العيش في مثل هذا العالم الوسطي يبعث بطبيعته على عدم الارتياح. وقد كان هذا هو واقعي لفترة طويلة للغاية، إذ نشأتُ في ظل ثقافات متنوعة ومارستُ مهناً مختلفة في كل من مصر وفرنسا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن إنكار هذا الواقع الجديد، أو محاولة تصويره في قالب مألوف، يُعد أمراً أسوأ؛ فالهدف يكمن في تحويل حالة التقلب والاقتلاع من الجذور، مهما كانت مؤلمة، إلى فرصة طويلة الأمد.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
*الرئيس التنفيذي السابق لشركة إدارة الأصول العالمية «بيمكو»، ورئيس المجلس الاستشاري للتنمية العالمية التابع للرئيس باراك أوباما.


