هل تم خطف الإسلام كدين مِن قِبل مَن زعموا أنهم وكلاء حصريون لفهمه وتأويل نصه (القرآن والسنة)، وأن كل مَن سواهم لا بدّ أن يوائم ما وصل إليه مع ما وصلوا إليه هم؟! المشكلةُ تبدأ عندما يتحول التأويل البشري إلى سلطة تعلو على النَّص الذي يدّعي تفسيرَه، فيُنتقى من القرآن ما يخدم فكرته، ويُترك ما يقيّدها، ويستدعي آياتِ القتال منفردةً عن آيات العدل والعهد والرحمة، ثم يُقدِّم الناتجَ للناس باعتباره حكم الإسلام، لا رأي إنسان وتأويله للإسلام.
والقاعدة التي ينبغي أن تبقى للأجيال واضحة هي أن القرآن مقدّس، أما تفسير الإنسان للقرآن فليس مقدساً. والسنّة حجةٌ في الإسلام، أما طريقة ترتيب النصوص وفهمها وتنزيلها على الواقع فهي عمل بشري يحتمل الصواب والخطأ.
وهذا التفريق ليس فكرةً حديثة، بل إن علم أصول الفقه نشأ أساساً ليمنع الفقيهَ من تحويل الانطباع الشخصي إلى حكم إلهي. ولذا ناقش علماءُ الأصول العامَّ والخاصَ، والمطلقَ والمقيدَ، والمجملَ والمفصّل، ودلالات الألفاظ والتعارض والترجيح والسياق.
الدراسات الحديثة في تاريخ أصول الفقه تؤكد أن هذه الأدوات كانت جزءاً من محاولة إقامة علاقة منضبطة بين لغة النّص، وقصد الشارع، والحُكم المستنبط. والمثال على ذلك آيات القتال، حيث يستطيع قارئ أن يقتطع آيةً من سياق الحرب فيَخرج منها بنظرية تقول إن العلاقة الأصلية بين المسلم وغيره علاقة صدام. لكن القرآن ذاته يمنع هذه القفزة حين يقول عن الذين لا يقاتلون المسلمين: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. فالآية لا تكتفي بإباحة التعايش، بل تستعمل لفظَي البر والقسط. وهنا يسقط التأويل الذي يجعل الاختلافَ الديني في ذاته سبباً للعداء.
ويزداد الأمر وضوحاً في المبدأ القرآني المذهل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. فالقرآن لا يشترط العدالة مع الصديق فقط، بل يختبرها تحديداً عند وجود الكراهية والخصومة.
هذه الآية ينبغي أن تكون معياراً مركزياً لكل فكر سياسي أو ديني يدّعي الانتسابَ للإسلام: إذا أدّى تفسيرك للنَّص إلى إسقاط العدل عن خصمك، فقد اصطدم تفسيرك بالنّص نفسه.
وهنا تظهر مأساة بعض القراءات المتطرفة، فهي تبدأ بتقسيم العالم أخلاقياً: نحن نمثّل الحق، والآخر يمثّل الباطل. ثم تتحول الثنائيةُ العقديةُ إلى نتيجة سياسية: بما أننا نمثّل الحق، فخصومنا فاقدو الشرعية. ثم تنتقل إلى نتيجة أشد خطراً: إذا فقدوا الشرعية، جاز استخدام القوة لإزالتهم. لكن القرآن لا يسمح بهذه السلسلة، فحتى بطلان عقيدة الإنسان لا يساوي إباحةَ دمه، وإلا لما جاء قولُه تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. فالآية تقرّر مبدأً مهماً هو منع فرض الإيمان بالإكراه. لكن التطرف يفعل العكس تماماً: يوسِّع دائرةَ المذنبين حتى يدخل فيها الأبرياء، خلافاً لما أرادته الشريعةُ مِن تضييق لهذه الدائرة.
لكن هناك كسراً آخر للتأويل أشد خطورة: التكفير. فمن السهل في البناء الأيديولوجي أن يبدأ الإنسانُ بوصف نظام سياسي بأنه غير إسلامي، ثم ينتقل إلى المجتمع الذي يقبله، ثم إلى الموظف الذي يعمل فيه، ثم إلى المواطن الذي لا يثور عليه، حتى تصبح دوائرُ الناس جميعاً موضع اتهام! وهذه ليست عملية فقهية، إنها ماكينة أيديولوجية. والقرآن نفسه يعلِّم المؤمنَ الحذرَ الشديدَ في الحكم على إيمان البشر: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾.
إن كان القرآن يأمر بالحذر حتى في ظرف الحرب، فكيف تصبح مجتمعاتٌ كاملةٌ موضوعاً لحكم عقدي شامل يصدره منظّر أو تنظيم؟وهنا يظهر الاختبارُ الأكبر لأي تأويل: إذا كان تفسيرك للقرآن ينتج سلوكاً يناقض السلوكَ الثابت للرسول الذي نزل عليه القرآن، فالمشكلة في تفسيرك فحسب. وإذا كان تأويلك يسمح بقتل مَن نهى الرسول عن قتله، فقد انكسر.. وإذا كان يسمح بالغدر بمَن له عهد، فقد انكسر.. وإذا أباح الظلمَ لأن الخصمَ مكروه، فقد انكسر.. وإذا جعل الاختلافَ الديني مبرراً للإكراه، فقد اصطدم بالنَّص.. وإذا منح جماعةً بشريةً الحقَّ في الادعاء بأنها وحدها تُمثِّل إرادة الله، فقد نقل العصمةَ من الوحي إلى التنظيم. وهذه هي النقطة التي يتضح معها أن المطلوب هو: إعادة النَّص إلى كليته.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


