في عالم تتغير فيه المخاطر الجيوسياسية باستمرار، ماذا يعني الأمن المستدام بالنسبة إلى الشرق الأوسط؟ هذا هو السؤال الذي شغل تفكيرنا في وقت سابق من هذا الشهر خلال الدورة السنوية السادسة من مؤتمر «تريندز»، الذي جمع قادة الأعمال والسياسة من دولة الإمارات وخارجها لصياغة حلول لبعض أكثر المشكلات تعقيداً في العالم.
وبالنظر إلى أن دولة الإمارات دولة تتطلع إلى المستقبل وقد برزت نموذجاً للمنطقة، فلا أجد مكاناً أنسب من أبوظبي لإجراء هذه المناقشات. وخلال تولّي منصب وزير الخارجية، حظيت بشرف العمل جنباً إلى جنب مع نظرائي الإماراتيين للتوصل إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وقد تركت تلك التجربة لديّ انطباعاً عميقاً.
وما زلت أعتقد أن الخطوة التي أقدم عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والقادة الآخرون بتوقيع الاتفاقيات ستُنظر إليها باعتبارها الخطوة الأولى نحو إحلال سلام حقيقي في المنطقة بعد سنوات طويلة من الاضطرابات. وجاءت الاتفاقيات نتيجة مزيج من المنطق السليم، والإحباط من النماذج الدبلوماسية السابقة التي لم تحقق نتائج، والرغبة في بناء مستقبل أفضل.
فقد أردنا إيجاد وسيلة لعزل الجهات السيئة، وتحديداً إيران، التي لم تكن لديها أي رغبة في تحقيق السلام ، وتقديم نموذج بديل قائم على الشراكة والتعايش. ولفترة طويلة، تقبّل العالم وضعاً قائماً استخدم فيه النظام الإيراني وكلاء إرهابيين والتهديد بانتشار الأسلحة النووية لنشر الفوضى وترسيخ مكانته قوةً إقليمية.
وضمنت إيران استحالة التوصل إلى تسوية سلمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال تطويق إسرائيل بما يُسمّى «حلقة النار»، والقضاء على أي فرص للتعايش. ومن الواضح أن هذا الوضع القائم لم يكن متوافقاً مع المصالح الأميركية أو الإسرائيلية، لكنه لم يخدم أيضاً مصالح أي من الدول العربية التي سعت إلى تعزيز السلام والازدهار. ومن منظور النظام الإيراني، كان ذلك كارثة، وكذلك التعاون الأمني والاستخباراتي المتزايد والتقارب بين الولايات المتحدة ودولة الإمارات.
ويُعد ذلك أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت طهران إلى مهاجمة الإمارات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز خلال الأشهر الأخيرة، رغم أن الإمارات ليست طرفاً مقاتلاً في الحرب.
وقد دافعت الإمارات عن نفسها ببسالة في مواجهة الهجمات الإيرانية على مدى الأشهر الثمانية الماضية، وظلت ثابتة في مواجهة أعمال العدوان هذه. والحقيقة أن إيران تخوض حرباً ضد العالم المتحضر منذ ما يقرب من 50 عاماً، وقد أظهرت مراراً وتكراراً أنه لا يمكن حصرها ضمن حدود أو احتواؤها. إن منح هذا النظام المجال لمواصلة إعادة بناء قدراته وإعادة التسلح يعني فتح الباب أمام عدم استقرار دائم وضبابية اقتصادية مستمرة. ولن يكون السلام المستدام ممكناً إلا إذا اتخذ الشركاء المتقاربون في التوجه في الخليج وخارجه الخطوات اللازمة لضمان عدم استمرار إيران في إحداث الفوضى وإبقاء المنطقة رهينة لها.
وهذا يعني تعزيز التعاون الأمني بصورة أكبر لضمان قابلية الأنظمة للعمل معاً ضمن بنية مشتركة. كما يعني تبادل الأفكار على المستويات التكتيكية والعملياتية والسياسية.
ويعني أيضاً مواصلة توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لتأكيد أن مستقبل الشرق الأوسط يكمن في التعايش والتجارة، لا في إراقة الدماء التي لا تنتهي. ومع اقتراب إيران من كارثة اقتصادية شاملة، وتمزّق «حلقة النار» التابعة لها، فإن الوقت مناسب للتغيير. ومن مصلحة جميع الدول، ولا سيّما دول الشرق الأوسط، وضع حدٍّ لحقبة الإرهاب وعدم الاستقرار، والسير في طريق السلام والازدهار الحقيقيين. والشراكة القوية بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج تجعل تحقيق هذه النتيجة أمراً ممكناً للغاية.
*وزير الخارجية الأميركية السابق ومدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية.


