حين وصل سيدي سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلى مقر البرلمان الكندي في أوتاوا الأسبوع الماضي، كانت الخيّالة الملكية الكندية في استقباله، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الذي أولته كندا لهذه الزيارة. لكن ما جرى خلال اليومين اللذين قضاهما سموّه هناك يستحق اهتماماً أكبر من مراسم الاستقبال نفسها. فقد شهدت الزيارة توقيع اتفاقات مهمة، وفتحت ملفات لم يكن البلدان قد قطعا فيها مثل هذا الشوط من قبل.
خلال 47 يوماً من المفاوضات، توصّلت الإمارات وكندا إلى اتفاقية للتجارة الحرة، كما وقّعتا اتفاقات في مجالي الدفاع والطاقة، وأحرزتا تقدماً في ملف التعهد الإماراتي باستثمار نحو 70 مليار دولار كندي في الاقتصاد الكندي. واتفق الجانبان كذلك على بدء محادثات بشأن اتفاقية لتسليم المطلوبين وأخرى للمساعدة القانونية المتبادلة. ومن الصعب اعتبار كل هذه النتائج مجرد حصيلة زيارة رسمية، فهي تعكس توجُّهاً واضحاً لدى البلدين نحو علاقة أوسع وأكثر جدية.
كندا أمضت العام الماضي في البحث عن شركاء تجاريين جُدد، ومن الطبيعي أن تسعى إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الإمارات وكندا نحو 4.2 مليار دولار في عام 2025، بزيادة بلغت 21 في المئة خلال عام واحد. ومن شأن اتفاقية التجارة الحرة أن تفتح فرصاً جديدة أمام الشركات الكندية في قطاعات الطاقة والزراعة والتكنولوجيا والتعليم.
أما بالنسبة إلى الإمارات، فإن كندا تقدم كثيراً مما يبحث عنه المستثمر طويل الأمد. فهي بلد غني بالموارد الطبيعية، ولديه كفاءات بشرية ومؤسسات قوية، فضلاً عن فرص كبيرة للنمو. وهناك انسجام واضح بين ما تحتاج إليه كندا من استثمارات وخبرات، وما تستطيع الإمارات تقديمه.
ومع ذلك، فإنني أرى أن التركيز على التجارة والاستثمار وحدهما لا يعطي هذه الزيارة حقها. فالإمارات تهتم باستقرار كندا وازدهارها، ولديها تجربة مهمة في التعامل مع التطرف وحماية المجتمع من التنظيمات التي تستغل الدِّين لتحقيق أهداف سياسية. وهذا جانب من العلاقة يستحق أن يأخذ مكانه في النقاش بين البلدين.
كانت الإمارات من أوائل الدول التي أدركت طبيعة جماعة «الإخوان» ومشروعهم الهدام. فالمسألة لم تكن يوماً مجرد خلاف مع جماعة دينية، بل تتعلق بتنظيم سياسي يستخدم الدًّين للوصول إلى النفوذ، ويعمل من خلال مؤسسات المجتمع المدني، مستغلاً المساحات المتاحة له لتكوين شبكات من المتطرفين والإرهابيين، وتوفير قنوات للعلاقات والنفوذ داخل الدول التي ينشط فيها. وقد اختارت الإمارات التعامل مع هذا الأمر بوضوح، واتخذت إجراءات لحماية مؤسساتها ومجتمعها. والنتيجة أن الدولة استطاعت الحفاظ على أعلى مستوى من الأمن والاستقرار في المنطقة.
في دول غربية عديدة، لم يكن التعامل مع هذه القضية بالحزم نفسه. فالانفتاح الذي تتميز به الديمقراطيات، يُساء استغلاله من شبكات مرتبطة بجماعة «الإخوان»، فرصاً للتنظيم وجمع الأموال ونشر أفكارها، وكندا ليست استثناءً من هذه المشكلة. فالمسلم الكندي الذي يريد أن يعيش دينه بحرية ويمارس شعائره ويكون جزءاً من مجتمعه لا مصلحة له في جماعة تحتكر الحديث باسمه أو تستخدم هويته الدينية لخدمة مشروع سياسي.
وقد أثبتت التجربة الإماراتية أن الاستقرار ليس أمراً منفصلاً عن الاقتصاد. فالشركات لا تستثمر في بلد لا تشعر فيه بالأمان، والجامعات لا تستطيع استقطاب الطلبة من مختلف أنحاء العالم من دون بيئة مستقرة، والنمو الاقتصادي يحتاج إلى مؤسسات قوية ومجتمع آمن.
ومن الواضح أن كندا وجدت في هذه الزيارة فرصة لتطوير علاقتها مع الإمارات. فحفاوة الاستقبال في أوتاوا، وسرعة التوصل إلى الاتفاقات، تعكسان اهتماماً حقيقياً من الحكومة الكندية بهذه الشراكة. لكن نجاح الزيارة لن يُقاس بعدد الاتفاقات التي وُقّعت خلالها. الأهم الآن هو ما ستسفر عنه هذه الاتفاقيات خلال الأشهُر والسنوات المقبلة. فقد أثبتت الإمارات، من خلال سجلِّها في التعاون الدولي، أنها تلتزم بما تتعهد به وتحرص على تحويل الاتفاقات إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة. ونأمل أن تتحول هذه التفاهمات إلى تعاون عملي يحقق نتائج ملموسة ويعود بالنفع على البلدين.
وأودُّ أن أتوجَّه بالشكر إلى سيدي سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان على هذه الزيارة. لقد كانت رسالة واضحة إلى الكنديين بأن الإمارات تنظر إلى كندا بوصفها صديقاً وشريكاً تريد له النجاح والاستقرار، وأن العلاقة بين البلدين يمكن أن تتجاوز المصالح التجارية لتشمل قضايا الأمن ومستقبل المجتمع. فالإمارات تريد أن ترى كندا بلداً مزدهراً وآمناً وواثقاً بمستقبله، وهذه رسالة تستحق التقدير.
*مستشار برلماني


