الكثير من الناس أخذوا يخلصون إلى أن تغير المناخ يمثل بالفعل خبراً سيئاً. فقد وجد استطلاع للرأي أجرته صحيفة «واشنطن بوست» مؤخراً، أن 38 في المئة من الأميركيين يعتبرون تغير المناخ كارثة، بينما يصفه 38 في المئة بالمشكلة الكبيرة. كما بات إنكاره في تراجع؛ إذ أن أغلبية ساحقة من الأميركيين، بل وحتى 60 في المئة من الجمهوريين، يعترفون بأن المشكلة من صنع البشر.
والسؤال هو: ما الذي سيكون الأميركيون مستعدين لفعله من أجل معالجة المشكلة؟ استطلاع الرأي نفسه وجد أن 37 في المئة فقط يعتقدون أنه لابد من بذل تضحيات كبيرة، بينما يقول 48 في المئة إنها ستكون صغيرة. أما في ما يتعلق بأي نوع من التضحيات سيكون الناس مستعدين لتقديمها، فقد وجد استطلاع الرأي المذكور أن ثمة أغلبيات تعارض ولو أعباء مالية صغيرة على الطبقة المتوسطة.
وإذا كان الأميركيون غير مستعدين لدفع، ولو دولارين أكثر في الشهر من أجل الكهرباء، أو رؤية أسعار الغازولين ترتفع بـ10 سنتات للغالون، فإن احتمال إجراءات دراماتيكية بخصوص تغير المناخ يبدو منخفضاً. ومع أن الأغنياء يستطيعون، وينبغي أن يقدّموا تضحيات أكبر من الطبقة الوسطى، فمن المستبعد ألا يكون لأي مخطط جدي بما يكفي لإبطاء ارتفاع حرارة كوكب الأرض تأثيرٌ ماليٌ على الجزء الأكبر من الأميركيين.
غير أنه إذا كان سيُطلب من الأميركيين الانخراط في حرب على تغير المناخ، فينبغي عليهم أن يفهموا التضحيات المادية والاقتصادية التي ستُطلب منهم. ولعل أفضل طريقة للقيام بذلك تكمن في النظر إلى خطة مناخ طموحة ومحكمة الإعداد، على غرار تلك التي اقترحها حاكم ولاية واشنطن جاي إنسلي.
خطة إنسلي تدعو إلى إنتاج طاقة كهربائية خالية من الكربون بحلول عام 2035. وهذا يعني أنه سيتم التخلص تدريجياً من الفحم والغاز الطبيعي كمصدرين للطاقة، واستبدالهما بمصادر مثل الطاقة الشمسية والريحية والنووية. وهذا سيتطلب عمليات إنشاء كبيرة لمحطات كهربائية جديدة، ومنشآت لتخزين الطاقة، وشبكات كهربائية لنقل الطاقة من أماكن إنتاجها إلى أماكن استهلاكها. كما سينبغي إعادة تجهيز المباني من أجل استخدام الكهرباء بدلاً من الغاز، للتدفئة والطهي. كما سيتطلب الانتقال من السيارات التي تشتغل بالغازولين إلى المركبات الكهربائية بناءَ شبكة وطنية من محطات الشحن.
جزء كبير من هذا يمكن تمويله بوساطة ضرائب على الأغنياء، لكن تنفيذه سيتطلب كماً هائلاً من العمل والموارد الأخرى. وتلك الموارد سينبغي تحويلها من إنتاج سلع وخدمات أخرى، ما يعني أن أسعار المواد الاستهلاكية عبر الاقتصاد سترتفع على الأرجح. وتلك الأسعار المرتفعة تعني أن معظم الأميركيين سيصبحون أفقر على المدى القصير، وإنْ كانت إعادة التوزيع الحكومية قد تخفّف من تأثير الضربة.
غير أن ارتفاع الأسعار سيكون مؤقتاً، فبعد إكمال عملية التحول، سيصبح العمال قادرين على العودة للقيام بأشياء أخرى، وستصبح الطاقة أرخص من ذي قبل. غير أنه لفترة عقد أو عقدين، سيتعين على الاقتصاد تغيير تركيزه من تلبية الرغبات الحالية إلى البناء من أجل المستقبل. وهذا نوع التضحيات التي يبذلها الناس في البلدان النامية خلال فترات النمو السريع. فعندما يشهد بلد مثل كوريا الجنوبية أو تايوان عملية تصنيع سريعة، يعمل الجميع بجد ويتقشفون، حتى يستطيع أطفالهم التنعم بمستوى معيشة أعلى، والانتقال إلى اقتصاد انبعاثات متدنية سيكون مماثلاً لهذا.
ثم هناك مشكلة الفولاذ والإسمنت. فإنتاج مادتي البناء المألوفتين هاتين يولّد الكثير من ثاني أوكسيد الكربون. ولا شك أن خطة جيدة للمناخ ستستثمر مالاً في بحث تكنولوجيات جديدة من أجل صنع فولاذ وإسمنت خاليين من الكربون. لكن في غضون ذلك، سيتعين على الاقتصاد استخدام كميات أقل من هاتين المادتين. وهذا سيجعل المنازل، والمباني المخصصة للمكاتب، والسيارات أغلى.
هذه التغيرات ستقتضي أن يضحي الأميركي العادي براحة مادية أكثر مما قد تتطلبه ضريبة غاز قدرها 10 سنتات أو رسوم كهرباء شهرية قدرها دولاران. وحتى في حال دفع الأغنياء حصتهم العادلة، فإن عدداً كبيراً من أميركيي الطبقة الوسطى يمتلكون منازل، ويقودون سيارات، ويطهون بالغاز، ويعملون في قطاع الوقود الأحفوري، أو قطاعات مرتبطة به، ويعيشون في مناطق حضرية واسعة وممتدة. وفي النهاية، سيحل اقتصاد مرحلة ما بعد الكربون محل معظم ما تتم التضحية به خلال عملية التحول.. لكن الأمر سيتطلب عقوداً من العمل الجاد والمكثف والعديدَ من مصادر الإزعاج الصغيرة. وختاماً، فإن مكافحة تغير المناخ حربٌ فعلية، والحروب تتطلب التضحية والتصميم والصبر من أجل الفوز!
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»