لم تكن اللوثة وموجة الهوس السياسي الذي لازم عقد التسعينيات, وما صحبها من دعاوى ومقولات حول "صراع الحضارات" ثم اللغط والتخبط المعرفي اللذين سادا الحوار العام حول الاستشراق, سوى الحلقة الأخيرة من حلقات الزيف الفكري، وفقدان الهدف والاتجاه في تناول العلاقات الدولية الخاصة بالشرق الأوسط. ذلك هو رأي فريد هاليداي مؤلف هذا الكتاب, وأستاذ العلاقات الدولية الخاصة بالشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد. وفي مقولته الواردة أعلاه, يستهجن المؤلف أية محاولات ترمي إلى تبسيط العلاقات الدولية الشرق أوسطية, على المستوى النظري. كما لا يتسع صدر الكاتب ولا صبره, إزاء ما يقال ويتردد ذكره كثيراً في بعض الأوساط عن السيكولوجية العربية, دعك عن الصبر إزاء سراب الوهم والتفاؤل الزائف باحتمال بروز نظام عالمي جديد, أو سيادة نوع من الديمقراطية السلمية في المنطقة.
ويعد هذا الكتاب, واحداًَ ضمن سلسلة من المؤلفات والكتب الموجهة في الأساس للدوائر الأكاديمية وأروقة صنع السياسات والقرارات. وفيه يقدم المؤلف تحليلاً منهجياً متماسكاً لطبيعة ودوافع النزاعات المسلحة في المنطقة, وللاقتصاد السياسي والأساس الاجتماعي الذي تفسر على خلفيته هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة الأميركية, انتهاءً بغزو الأخيرة للعراق قبل نحو عامين من الآن. وفي نظر الكاتب فإن منطقة الشرق الأوسط, التي تضم كلاً من إسرائيل وتركيا وإيران, إلى جانب الدول العربية, هي في نظره بقعة متفردة بتبايناتها وخلافاتها الخاصة بها, غير أنها مثيرة للاهتمام بسبب ما تعج به من نزاعات وتحالفات بين دولها. وفي رأيه أن غالبية المشكلات التي تعانيها المنطقة, تكمن في النزاعات الداخلية التي تنشب فيها وفيما بينها.
ففي أعقاب نهاية الحرب الباردة مباشرة, أدت هذه التوترات والنزاعات الإقليمية –سوءا الجارية بين الدول الشرق أوسطية، أم في داخل كل واحدة منها- إلى نشوب أزمة إقليمية مستفحلة ومتصاعدة, أفضت بدورها إلى اندلاع نزاع بين الراديكاليين الإسلاميين من جهة, والغرب من الجهة الأخرى. ناتج هذا النزاع والمواجهة، هو ما يطلق عليه بلغة اليوم وقاموس العلاقات الدولية المعاصر, "الإرهاب الدولي". ومن رأي المؤلف أن بذور هذه الظاهرة لا تكمن في أية مفاهيم نظرية معممة مجردة عن الإسلام, بقدر ما هي كامنة في الواقع السياسي الاجتماعي الاقتصادي العيني الملموس, الذي يعمل العالم الخارجي –لا سيما الغرب- على تعقيده جراء محاولة استغلاله لمصالحه هو.
إلى ذلك يرى المؤلف من جانب آخر, أن العوامل والمؤثرات الخارجية, إنما تلعب دوراً في تحديد سياسات المنطقة, غير أن تأثيرها لا يتعدى حدود كونها مؤثرات جانبية فحسب. ضمن هذا يفند الكاتب أطروحات وأساطير كل من الإسلاميين الراديكاليين, والراديكاليين اليساريين المعادين للإمبريالية, القائلة إن المنطقة إنما تقع فريسة ورهينة لإرادة ورغبات القوى الأجنبية, وكأنها خالية تماماً من عوامل النزاع الداخلي, النابع من واقعها هي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وفي نطاق الموقف الناقد هذا, يفند المؤلف الأطروحة القائلة إن استقلال دول المنطقة, إنما هو استقلال شكلاني خارجي, بينما هي منطقة مطوقة بسوار من الهيمنة الدولية الخانقة.
لا يعني ذلك أن الكاتب يتجاهل النظر إلى المؤثرات والعوامل الخارجية على صنع سياسات المنطقة وتكوين واقعها السياسي, إلا أنه يفعل ذلك دائماً من خلال النظر إلى ما يشكل الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لبلدانها ومجتمعاتها في المقام الأول. وفيما يلحظه الكاتب في هذا الجانب بالذات, أن الحكومات والأنظمة الشرق أوسطية نفسها, تعاني من ضعف ملحوظ في أربعة مجالات رئيسية, هي التي يعول عليها في قياس مدى حرية المجتمعات, بصرف النظر عن مدى وحجم التأثيرات الخارجية السلبية الواقعة عليها. تتمثل هذه المجالات الأربعة فيما يلي: جودة ونوعية القيادات الشرق أوسطية, ونوعية التعليم, ومشاركة النساء في الحياة العامة, ومدى حرية الرأي والتعبير, وانفتاح الصحف الشرق أوسطية وشفافيتها.
ومع أن المؤلف يستنكف كل ما ينتهي باللاحقة الإنجليزية (ism) الدالة على التيارات والمدارس السياسية والفكرية وغيرها, إلا أنه يعرج على مناقشة اثنتين منها هما: القومية والأصولية الدينية, سواء كانت هذه الأصولية يهودية أم إسلامية. وفي حين يتفهم المؤلف مفهوم الأمة الإسلامية الجهادية, التي تتخذ من الجهاد وسيلة للدفاع عن نفسها أمام أعداء الإسلام, غير أنه يرى في الوقت ذاته, أن أفكاراً تبسيطية هكذا للواقع, لا تكفي ولا تفي بغرض تفسير الواقع المعين, ودينامياته والعوامل الخارجية والداخلية التي تشكله. وفي حين يؤثر الدين على العلاقات الدولية الشرق أوسطية, ويعطيها لغتها ومفرداتها دون شك, فهو ليس العامل النهائي المحدد لهذه العلاقات في نهاية المطاف. من ذلك مثلاً ينفي الكاتب وجود مفهوم يمكن أن نطلق عليه مصطلح "العلاقات الدولية للإسلام".
ويمضي الكاتب في هذا المنحى حتى