حدث شبه إجماع في المؤتمر الدولي عن "القانون الجنائي الإسلامي في عصر العولمة" الذي عُقد بإسلام أباد بباكستان في 26-28 الشهر الماضي على ضرورة إعادة النظر في العقوبات البدنية ومدى اتفاقها أو اختلافها مع حقوق الإنسان كما حددتها المواثيق الدولية العامة والخاصة، الغربية واللاغربية. وما أكثر الأدلة على إمكانية إعادة فهم قانون العقوبات في الإسلام بحيث لا يتعارض مع حقوق الإنسان، وهي ثقافة العصر، من داخل الشريعة الإسلامية نفسها وليس من خارجها.
فالأحكام الشرعية، ومنها الحدود، ليست أحكاما نظرية مجردة تطبق في المطلق بل هي أحكام "وضعية" بتعبير الشاطبي في "الموافقات" مغروزة في الواقع وقائمة عليه مثل السبب والشرط والمانع. فلا يطبق حد إلا إذا توفرت أسبابه، وتحققت شروطه، وغابت موانعه. فلا تقطع يد سارق إن لم تتوافر لديه أسباب الحياة الكريمة، وإشباع الحاجات الأساسية من عمل وغذاء وكساء وسكن وتعليم وعلاج، وبعد غياب الموانع من بطالة وجوع وعري وعراء وجهل ومرض. وقد علق عمر تطبيق حد السرقة عام الرمادة عندما عم الجوع وتقيح جلده من تحريم السمن على نفسه حتى يطعم كل المسلمين. وقد عرف عمر بجرأته في التشريع بتعليقه سهم المؤلفة قلوبهم بعد انتصار الإسلام وكثرة المسلمين، وتحريمه توزيع أرض السواد في العراق كغنيمة بين المحاربين حتى لا يركنوا إلى الأرض، ويستقروا فيها، ويتركوا الفتح والجهاد في سبيل الله.
والعقوبات نوعان، النفس وما دون النفس. النفس في القصاص وما دون النفس في العقوبات البدنية على السارق والزاني. أما فيما يتعلق بغير النفس فهذا أمره التعويض المادي وهو ما لا يتعارض مع قيمة الحياة أو البدن كحق طبيعي للإنسان.
وقد اختلفت فلسفات القانون والتشريعات المدنية. البعض يقره "ولكم في القصاص حياة" والبعض الآخر لا يقره لأن مجموع الخطأين لا يكوّن صوابا، وبدلا من قتيل يكون هناك قتيلان. وهو نوع من الإسراف في القتل. وتعتمد فلسفة القصاص على التوحيد بين الذات والصفات والأفعال كما تفعل المعتزلة في تصور الألوهية. فما دامت الأفعال إجرامية تعبر عن صفات إجرامية فإن الذات لا وجود لها ومن ثم وجب إعدامها. في حين تعتمد فلسفة منع القصاص على تصور الأفعال والصفات زائدة على الذات كما تفعل الأشاعرة في تصور الألوهية، وأنه مهما بلغت أفعال الإجرام وصفاته فإنها زائدة على الذات، ولا يمكن مساواة الذات بها، ومن ثم وجب الحفاظ عليها وليس إعدامها. يمكن حماية المجتمع منها بعقوبة الحبس مدى الحياة دون إعدامها. والعجيب أننا أشاعرة في عقائدنا التي تقوم على الرحمة، ونختار القصاص الذي يقوم على فلسفة الاعتزال التي تقوم على العدل.
وفي حالة قطع الطريق أو الإفساد في الأرض فإن العقاب هو قطع اليدين والرجلين من خلاف ثم الصلب على جذوع النخل. وقطع الطريق وترويع الآمنين والإفساد في الأرض جرائم بشعة. عقوبتها الإعدام ترويعا للآخرين وردعا لعدم تكرار ذلك. ولكن القتل شيء والتقتيل شيء آخر. ولا يمكن الجهر بذلك الآن أو ممارسته.
بل ويفصّل القدماء طرق القصاص بالسيف أو بدونه. ويقيس المحدثون على السيف الرمي بالرصاص أو الشنق. كما يفصّل القدماء طرقا أخرى مثل الخنق والحرق والغرق والسم والرمي من أسطح المنازل. ويستعمل في أميركا الآن الكرسي الكهربائي مما يجعل الجسد يقشعر من التقتيل. وتحدثت كتب التاريخ عن القتل عن طريق "الخازوق".
وهي نفس القضية في موضوع الرجم حتى الموت الذي كان شائعا في اليهودية وجاء السيد المسيح بتفضيل الرحمة عليه "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر". والإسلام خيار بين الاثنين ولا يمكن تطبيق هذه العقوبة اليوم. وهي غير معمول بها حتى في القوانين المدنية المطبقة حاليا في معظم الدساتير العربية. ويتساوى المواطنون في القصاص دون تفرقة بين حر وعبد، وذكر وأنثى، ومسلم وكتابي، وشريف ووضيع.
أما الردة والحرابة والبغي والخروج فكلها اتهامات سياسية من السلطان ضد خصومه، ومن الدولة ضد المعارضة. فالردة تفتيش في ضمائر المؤمنين وهو ما لا يبيحه الشرع، وسيف مسلط على رقاب المفكرين والأدباء والعلماء. يعارض الشريعة لأنه "لا إكراه في الدين"، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". وعادة ما لا يتحول أحد عن الإسلام إلى غيره من الديانات بل يتحول أصحاب الديانات الأخرى إلى الإسلام. فإذا حدث استثناء واحد أو اثنان فإنه لا يطعن في القاعدة. و"الحرابة" أيضا اتهام من الدولة للمعارضة المسلحة. وكل فريق سياسي يدعي أنه هو مثل الله ورسوله ويطبق حد الحرابة على مخالفيه. والبغي أيضا عدوان فريق من الأمة على فريق آخر مع ادعاء كل فريق أن الطرف الآخر هو الباغي. والحقيقة أنه "إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" القاتل نعم، والمقتول لأنه كان حريصا على قتل صاحبه. والخروج اتهام أيضا من الدولة ضد كل الخصوم السياسيين بعد أن جربوا كل الوسائل السلمية مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، واللجوء إلى قاضي القضاة. وفي الفقه ا


