أمة ''اقرأ'' ما عادت تقرأ، والمقولة الملعونة التي أطلقها يوما موشيه دايان أحد رموز إسرائيل العسكريين والذي قاد جيشها في حرب ،1967 من أن العرب لا يقرؤون، تبدو كأنها ''لعنة فرعونية'' لا تريد أن تغادر ظهرانينا· والكتاب الذي تغنى به شاعر العرب ومتنبي بلاغتهم ووصفه بأنه خير جليس وقارن رفعته برفعة السروج فوق صهوات الخيل، صار آخر من يُجالَس· والاهتمام بالكتاب، إن من الحكومات، أو الهيئات التعليمية، أو وسائل الإعلام، يأتي في أدنى سلم الأوليات، هذا إن تمكن من الوصول إليها أصلا· والإحصاءات المتوفرة التي تقول لنا عن نسب الكتب المنشورة في العالم العربي مخجلة· ونوعية الكتب الرائجة مخجلة أكثر فأكثر، فهي تتراوح بين كتب السحر والشعوذة والمدعية بالدين·
في معرض فرانكفورت للكتاب الدولي قبل أسابيع وفي ندوة مهمة عن ''ماذا يقرأ العرب''، أعلن عن نتائج المرحلة الأولى لأول مسح ميداني أجري في العالم العربي عن الأنماط القرائية في البلدان العربية، شمل دول المغرب، ومصر، والسعودية، وتونس، ولبنان، فيما تشمل المرحلة الثانية أربعة بلدان عربية أخرى، وفي كل بلد من هذه البلدان تم استجواب عينة من ألف شخص· المسح تم بدعم من مؤسسة (Next page) ومقرها في بلغاريا· نتائج هذا المسح صادمة، وهي إذ تؤكد ما يتوقعه كثيرون فإن أهميتها تكمن في أنها تدعم تلك التوقعات بالأرقام والإحصاءات· هذا المسح فريد وغير مسبوق في نوعه، ويستحق كل الإشادة· فهو من ناحية التركيز على الموضوع، ومن ناحية اتساع نطاق تغطيته، ومنهجيته يعتبر ريادياً· المؤسسة المشرفة على المسح أوروبية، وهي في الأصل كانت مهتمة بدعم الثقافة ونشر الكتب في أوروبا الشرقية خلال حقبة العهد الاشتراكي، لمحاولة كسر احتكار الأنظمة الشمولية للثقافة آنذاك· أما وقد انهارت تلك الأنظمة ولم تعد هناك موانع لانسياب كل أنواع الثقافة في تلك المجتمعات، فإن هذه المنظمة واعتمادا على نتائج تقارير التنمية الإنسانية العربية التي أشارت إلى ضعف إنتاج ونشر وترجمة الكتب في العالم العربي، فإنها صارت تولي اهتماماً خاصا بدعم الكتاب العربي·
في البداية ولغايات تعريف معنى القراءة فإن المسح يعتمد تعريفاً موسعاً لـ''القراءة'' فيعتبرها تتضمن الكتب، والمجلات، والصحف، ومواقع الإنترنت· والكتب نفسها تتضمن المقررات الدراسية لمن هم في مراحل الدراسة سواء الجامعية أو ما قبلها إلى جانب الكتب العادية· ورغم ما قد يتصف به هذا التعريف الفضفاض من سيولة، إلا أنه من الصعوبة بمكان انتقاده وإيجاد تعريف أكثر اختصارا أو أكثر تحديداً· وفي البداية أيضا فإن المسح يركز بالطبع على من يستطيعون القراءة، أي غير الأميين، وحيث إن نسب الأمية ترتفع في بعض البلدان العربية إلى نصف السكان تقريبا (كما في مصر والمغرب) فإن ذلك يعني أن ضحالة نسب القراءة تأخذ أبعادا مأساوية، حيث إن تلك النسب تقول إن من يستطيعون القراءة لا يقرؤون أيضاً، ويتساوون مع الأميين في تلك ''الميزة''!
لا يمكن استعراض النتائج التي خلص إليها المسح لاتساعها وكثافتها بشكل عام، لكن يمكن إبداء بعض الملاحظات العامة التي تفيد في الإشارة إلى المسح وأهميته· الملاحظة الأولى هي أن الوقت المخصص للقراءة لمن يستطيعون القراءة لا يكاد يذكر، إذ أجاب ما بين 50% إلى 60% بأنهم يخصصون نصف ساعة أو أقل للقراءة كل يوم (بما في ذلك طبعاً قراءة الصحف والمجلات والأنترنت)· الملاحظة الثانية والتي تضاعف من كارثية نتائج الملاحظة الأولى هي المبالغة في الادعاء بممارسة القراءة· ففي مصر مثلاً نسبة من يقرؤون من ضمن الشريحة القادرة على القراءة (غير الأميين) تبلغ، بحسب المسح، 88%، بينما في العربية السعودية تبلغ 94%، وهي نسب عالية فعلاً· فمن الواضح أن المستجوبين يريدون أن يقولوا أو أن يتباهوا بأنهم يقرؤون، حتى وإن لم يفعلوا ذلك· لكن المسح، أو على الأقل ما تم الإعلان عنه حتى الآن لم يكشف عن أية إجراءات أو معالجات منهجية للتعامل مع هذه المبالغة· وفي مصر أجاب 60% من المستجوبين بأنهم يخصصون من ساعة إلى ساعتين يومياً للقراءة، وفي المغرب كانت النسبة المناظرة 61%·
أما الملاحظة الثانية فهي أن تقطع القراءة وانخفاض المستويات هو في البلدان الأكثر حداثة من ناحية ثقافية واجتماعية وانفتاحية (وليس بالضرورة سياسيا)· ففي تونس ولبنان تقل نسب القراءة بشكل ملفت، مقارنة بمجتمعات محافظة مثل السعودية ومصر· وتفسير ذلك ربما يعود إلى توفر وسائل ترفيه أخرى منافسة للقراءة، وبما يتيح للشرائح المختلفة وخاصة الشبابية التي تمثل النسبة الأعلى في كل تلك المجتمعات أن تولي اهتمامها لمناح أخرى غير القراءة· لكن الخلاصة المثيرة هنا، وإن كان يجب أخذها بتأن وحذر، تشير إلى أن زيادة الانتفاح الثقافي والاجتماعي لا تقود إلى تقريب الناس من الكتب وتعميق وعيهم الثقافي بالتالي· والملاحظة الثالثة هي أن أكثر الكتب قراءة ورواجا هي الكتب الدينية، ففي مصر تصل نسبة قراءة هذه الكتب إلى 84,6% وفي السعودية 64%