تمكن العلماء مؤخراً من تحقيق قفزة علمية كبيرة حيث نجحوا في تحليل شفرة جينوم الكلاب بكثير من الدقة، وهو ما من شأنه تقديم أجوبة على عدد من التساؤلات التي ظلت تحير العلماء حتى عهد قريب، والتي لا تقتصر فقط على أصل وتطور فصيلة الكلاب ولكن تتعداها لتشمل السلالة البشرية أيضا·
وحسب الدكتورة ''كورستين ليندبلود توه'' من معهد ''بروود إينسيتيتيوت'' في كامبردج والتي ترأست الفريق الذي قام بعملية تحليل سائل الحمض النووي، فإن الحيوان الذي تمت دراسة جينومه هو كلبة أنثى تدعى ''تاشا'' من نوع ''البوكسار''·
وإذا كان عدد الكلاب في العالم يقدر بحوالي 400 مليون كلب تتوزع على نحو 350 نوعاً، فإن اختيار فريق الباحثين لـ''تاشا'' تحديدا من أجل دراسة جينومها يعود لما يتمتع به نوع ''البوكسار'' من خصائص بيولوجية ثابتة، تجعل من عملية حل شفرة الجينوم أمراً سهلاً نسبياً، كما أن اختيارهم لأنثى لم يكن بدوره وليد الصدفة نظراً لما تتصف به الكروموزمات الذكرية من تعقيد تصبح معه محاولة تحليل الجينوم مسألة في منتهى الصعوبة·
ومعلوم أن جينوم الكلاب أثار ولا يزال يثير فضول علماء الجينات نظرا لكون أصل الكلاب ينحدر من الذئاب قبل أن يتخذها الإنسان حيوانات أليفة منذ حوالى 15000 سنة، تطورت أثناءها وتفرعت إلى أنواع متعددة تختلف باختلاف الجينات التي تحملها، وهذه الجينات هي التي تعتبر مسؤولة عن شكل الكلب وحجمه ولون فروته وسلوكه وطبائعه·
وقد كشف تحليل جينومات ''تاشا'' وتسعة أنواع أخرى من الكلاب أنه من غير الصعب تحديد مكان الجينات، ربما لأن معظم أنواع الكلاب لم تظهر سوى خلال القرون القليلة الماضية، ونتيجة لذلك لم تتأثر جينوماتها كثيرا بعد بسبب الخلط الذي عادة ما يحدث على مستوى الجينات لدى كل جيل· ولذلك فإن معظم هذه الجينات، التي وجدت منذ ظهور هذا النوع من الكلاب وقبله، تتخذ شكل مستطيلات، وكلما كان حجم المستطيل طويلا، كلما أضحى من السهل نسبيا تنفيذ عملية تحديد مكان المستطيل الذي يحمل أحد الجينات المفيدة·
ومن المعروف أنه في الكثير من الحالات يعمد المربون وبائعو الكلاب إلى التركيز على بعض الخصائص البيولوجية لدى الكلاب وتقويتها عن طريق تعديل الجينات، غير أن ذلك قلما يحدث دون المساس بالجينات المسؤولة عن بعض الأمراض، وهو ما يفسر ملازمة بعض الأمراض لأنواع محددة من الكلاب دون غيرها مثل الأمراض الشائعة الأكثر تفشياً بين فصيلتي ''الدوبيرمان'' و''البوكسار'' دون غيرهما· هذا فيما تصيب بعض الأنواع الأخرى من الكلاب أمراض مغايرة شائعة مثل ارتفاع مستوى السكر في الدم ومرض القلب والسرطان، وهو ما حدا بعلماء الجينات ممن يحبون الكلاب إلى اعتبار أن المال المنفق علــى حيوانهـم المفضــل من شأنــــه أن يساهم أيضا فــي فهم أصــل الأمراض التي تصيب الإنسان نفسه·
وهكذا تم إقناع ''المعهد القومي لأبحاث الجينوم البشري'' برصد مبلغ 30 مليون دولار من أجل دراسة الخصائص الجينية لـ''تاشا''· ولأن الكلب والإنسان يتوفران على نفس المجموعة من الجينات فإنه عندما يتم التعرف على أحد الجينات المسببة للسرطان في الكلب، يسهل تحديد مقابلها لدى الإنسان·
ولعل أحد الأشياء الجديدة أيضا التي أتاحها النجاح في تحليل شفرة الجينوم لدى الكلاب، بالإضافة إلى جينوم الإنسان والفئران، هو أنه صار بإمكان العلماء الآن فهم الخصائص التي تميز الثدييات·
كما أتاحت الدراسة للعلماء عقد مقارنة بين الجينومات لدى الإنسان والكلب والفأر، مقارنة مكنتهم من استنتاج أن جينات الدماغ تطورت على نحو أسرع لدى كل من الإنسان والكلب· وقد يعود ذلك إلى كون الحيوانات الاجتماعية، بحكم تكيفها مع شروط العيش في جماعة، طورت قدرة خاصة للتنبؤ بسلوك بعضها بعضاً· وبالمقابل، يعتقد الباحثون المختصون في جينوم الكلاب أن مجموعة من الجينات في الجسم البشري عرفت تطورا ملحوظا مقارنة مع جينات الكلاب والفئران، ويتعلق الأمر هنا بالجينات التي تنشط في الخصيتين (للإشارة فـ''تاشا'' كلبة أنثى كما أنها لا تتوفر على الكروموزوم الذكري)·
ولهذا يمكـــــن القـــول إن تطــــور الجينات لدى الجنس البشــري بشكـــــل أسرع من تلك الموجودة في الدمــــاغ إنما يؤكد الأهمية الكبيرة للاختيار الجنســـي في التطور البشـــري، ولا سيـــما التنافس بين الذكـــور لتخصيب الإنــاث·
وعلاوة على ما سلف ذكره، أتاح التمكن من تحليل شفرة الجينوم لدى الكلاب سبر أغوار سلالات الكلاب والذئاب والثعالب وحيوانات أخرى تنتمي إلى فصيلة الكلبيات، وهي الفصيلة التي يدل عدد من المؤشرات على أنها نشأت منذ قرابة 10 ملايين سنة في أميركا الشمالية، غير أن فرع الفصيلة الذي يضم كلا من الكلب والذئب يبدو أنه اندمج منذ حوالى 7 ملايين سنة في أفريقيا· وبالرغم من أن الذئب يوجد حاليا في كل بقاع العالم، إلا أن ابن آوى الذي يعتبر أقدم أعضاء فرع فصيلته يوجـــد في أفريقيـــا، ما يدل على أن الموطــن الأصلي للكلـــب هو نفس الموطن الأصلي للإنسان·


