يحتفل العالم كله هذا العام بالمئوية السادسة لوفاة العلامة ابن خلدون مؤسس علم العمران أي علم الاجتماع أو علم التاريخ الاجتماعي (1406-2006). وعقدت عشرات المؤتمرات الدولية عنه في أسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة وفي الوطن العربي في الجزائر وتونس والمغرب ومصر على الطريق في ديسمبر القادم. وقد أقامت وزارة الثقافة بالجزائر الشقيقة من خلال المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ بالاشتراك مع وزارة التعليم العالي، والإشراف العلمي لمدرسة الدراسات العليا للعالم الإسلامي، ومركز التاريخ الاجتماعي للإسلام في البحر الأبيض المتوسط التابع لوزارة التعليم الوطني والتعليم العالي والبحث العلمي بفرنسا، ملتقى دولياً في 17-19 يونيو بعنوان "إشكال ابن خلدون، استقبال، امتلاك، توظيف". وافتتحه رئيس الجمهورية واختتمته وزيرة الثقافة مع إعلان تأسيس "مركز الدراسات الخلدونية". الأرض هبة من الرئيس، والبناء بتمويل من الشركة الوطنية للبترول "سوناتراك". وحضره عديد من الأساتذة والمثقفين والإعلاميين. كثروا يوم الافتتاح. وتناقصوا تدريجياً في الجلسات العلمية. ثم زادوا في حفل الاختتام. وقد ذاع ابن خلدون عندنا أثناء المد القومي الاشتراكي في الخمسينيات والستينيات وما أوصى به بعض المستشرقين مثل جارودي ورودنسون من أننا نستطيع أن نبني نهضتنا المعاصرة ليس بالضرورة طبقاً للنموذج الغربي والأيديولوجيات الغربية بل من خلال عقلانية ابن رشد، ومادية ابن خلدون. فعند ابن رشد العقل أساس النقل، والنظر واجب بالشرع، ونظريات الفلاسفة اجتهادات ممكنة، والفقه نسق أخلاقي، والكلام الأشعري سوء استخدام للعقل والنقل معاً. أما ابن خلدون فقد نقد أخطاء المؤرخين الذين يعتمدون في مصادرهم التاريخية على روايات ضعيفة مملوءة بالأخطاء والخيالات الشعبية دون نقدها وتمحيصها ودون تطبيق شروط التواتر عليها كما يفعل علماء الحديث. واتجه إلى الملاحظة والمشاهدة والتجربة كمصدر مباشر للتاريخ الماضي والحاضر. فالغرب ليس وحده واضع لأسس المنهج التجريبي قديماً عند أرسطو أو حديثاً عند "بيكون" و"مل". بل وضعه المسلمون في مناهج علم أصول الفقه في التحليل وفي العلوم الطبيعية. واشترك في الملتقى الدولي علماء من أكثر من ثلاثة عشر بلداً، أربعة عربية، الجزائر ومصر والمغرب وتونس، وثلاثة إسلامية، ماليزيا وسنغافورة وإيران، وستة غربية، فرنسا وإيطاليا وأميركا وهولندا وبولندا وألمانيا. وقُدم حوالى سبعة وعشرون بحثاً: سبعة من الجزائر، وستة من فرنسا، وثلاثة من مصر، واثنان من كل من إيطاليا وأميركا والمغرب، وبحث واحد من كل من ماليزيا وسنغافورة وإيران وألمانيا وهولندا وبولندا. وغابت كثير من الجامعات العربية خاصة أقسام الفلسفة بها والتي أجرت عشرات الرسائل الجامعية على ابن خلدون بين التقريظ والنقد. لذلك غلب على الملتقى الاستشراق والحديث باللغة الفرنسية بما في ذلك الباحثون العرب باستثناء الباحثين المصريين الذين أصروا على الحديث بالعربية وهي اللغة الوطنية التي دافعت عنها الجزائر بعد الاستقلال في حركة التعريب في التعليم والثقافة. وغاب الاتجاه العروبي الإسلامي من الملتقى. وحضر بعض ممثليه ولكن على استحياء. والوئام الوطني ليس فقط بنزع السلاح بين المتقاتلين بل أيضاً بنزع السلاح العقلي في الثقافة الوطنية المغاربية بين تياراتها المختلفة: الفرانكفونية، والأمازيغية، والعروبية والإسلامية. حضر الاستشراق بوضوح، النص وطبعاته وترجماته المختلفة، وانتشاره في المشرق وفي المغرب العربي، وتلقي أوروبا له، ومقارنات بينه وبين هوبز وماركس وأوجست كومت، وكيفية تلقي الاستعمار له، وعرض المفاهيم التقليدية عن العصبية والحتمية الجغرافية، ونظرية المعرفة وموضوعات أخرى مكررة تعرضت لها الرسائل الجامعية من قبل. وقد حاولت دراسات أخرى الخروج من الاستشراق التقليدي مثل ابن خلدون مفكراً تقليدياً للإسلام العلماني، ووضع ابن خلدون وسط رؤى متعددة، ولكنها ظلت محدودة داخل الاستشراق التقليدي. وأقصى ما وصلت إليه هو سبق ابن خلدون فلاسفة الاجتماع الأوروبيين في كثير من النظريات الاجتماعية مما يثلج قلوب العرب والمسلمين. وقد حاول بعض الباحثين العرب والمسلمين تقييم خطاب ابن خلدون الحضاري وبيان مدى عصريته. ومع ذلك ظلت في إطار التحليل العلمي الخالص. ومن ثم غابت الدراسات الوطنية النقدية ونقل مقدمة ابن خلدون إلى مستوى الأزمة الراهنة، وضم سبعة قرون تالية له لوضع فلسفة شاملة للتاريخ ليس فقط لأسباب الانهيار بل أيضاً لوضع شروط النهضة. فابن خلدون ليس تراثاً مغايراً للباحث بل هو جزء من حضارته ومسؤول عنه. فالباحث هو الذات والموضوع في آن واحد. لم تكن هناك مراجعات شاملة لأحكام ابن خلدون الشهيرة على العرب والعجم والبربر طبقاً لعنوانه الشهير "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". فالمهم استخلاص العبر وليس فقط الرصد التاريخي كما يفعل الاستشراق، من البداية إلى النهاية أي على مدى أربعة عشر قرناً وليس فقط سبعة قرون. وهو تاريخ عرقي للعرب والعجم والبربر وليس تاريخاً إسلامياً للأمم الإسلامية التي انضوت تحت لواء الثقافة الإسلامية. وهو تاريخ سياسي للدول والممالك. وهو جزء من التاريخ الإسلامي في نهاية المرحلة الأولى للحضارة الإسلامية، مرحلة الإبداع من القرن الأول حتى القرن السابع الهجري (توفي ابن خلدون عام 808 هـ) وليس في نهاية العصر الوسيط الأوروبي في القرن الرابع عشر الميلادي، وبالتالي تكون المئوية السادسة لديه عام 1408 هـ والذي انقضى منذ عشرين عاماً إذ أننا الآن في عام 1427 هجرية. كنا في حاجة إلى مراجعة أحكام ابن خلدون على العرب وبيان كيف أنها أحكام جائرة مثل ما معناه: "لا يحل العرب بأرض إلا حل بها الخراب" مع أن آثار العرب باقية في الأندلس والمغرب والمشرق العربي. "لا يفلح العرب إلا بصيغة ولاية أو نبوة" وكأن العرب لا يحركهم إلا الأنبياء والأولياء والأشكال الدينية دون العلماء والقادة والأبطال. "لا يقدر العرب إلا على البسائط" وهم الآن قادة الطائرات ويمتلكون ناصية العلم والتكنولوجيا كما بان ذلك منذ دولة محمد علي، والتصنيع في العهد الناصري، وآلة الحرب في حرب أكتوبر 1973. فكيف يكون العرب أبعد الأمم عن الصنائع؟ كنا في حاجة إلى تصحيح بعض أحكام ابن خلدون العلمية الخالصة على الدول والبشر. فالدولة تقوم على القهر وليس أمام الشعوب إلا الطاعة. والملك انفراد بالمجد. وماذا عن العقد والبيعة والاختيار للإمام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة من الناس؟ والفلاحة صفة المتستضعفين من الناس، والفلاحون هم أكثر من نصف سكان الوطن العربي. وهم الذين قاموا بالثورات على مدى التاريخ في الصين وألمانيا وفيتنام وكوبا. وكيف تكون دعامة الدولة الجند والمال أي الجيش ورجال الأعمال وكانت الدولة الإسلامية قديماً دولة الفكرة والقضية والرسالة لنشر التوحيد؟ وهل قيم البداوة من كرم وشجاعة ومروءة هي وصف لواقع أم من صنع الخيال؟ والقرآن يصف الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً، ومنهم الذين تخلفوا عن القتال كما يحدث الآن في فلسطين؟ وهل قيم الحضر باستمرار قيم سلبية، الترف والبذخ والمجون والملذات أم أيضاً العلم والفن والصناعة؟ وهل هذا التقابل وارد أم أن الحضارة قد دخلت في البداوة، والبداوة قد دخلت في الحضارة بوسائل الاتصال الحديثة؟ وهل العصبية روح البداوة تتفكك في الحضارة أم تتبدل أشكالها بظهور أشكال جديدة من الترابط الاجتماعي مثل المهنة والطبقة والشلة والدفعة وجماعات الضغط والمصالح؟ وهل الدورة التاريخية أربعة أجيال أم أكثر؟ فقد بقيت الدولة العباسية خمسة قرون، والحضارة الإسلامية في الفترة الأولى سبعة قرون، والحضارة الأوروبية الحديثة خمسة قرون. وهل الحتمية الجغرافية هي التي تحدد مصائر الشعوب أم أن الإرادة الإنسانية قادرة على تجاوزها؟ كان يمكن تطوير بعض أحكام ابن خلدون الصائبة مثل أن "الظلم نذير بخراب العمران"، وأن "العدل أساس الملك"، وأن "الإنسان مفطور بطبعه على التعاون"، وليس العزلة والانكماش. ومن ثم يوضع ابن خلدون في مساره التاريخي بين الماضي والحاضر، ليس فقط سبعة قرون وراءه بل أيضاً سبعة قرون أمامه. كان يمكن لهموم العالم أن تجتمع مع هموم المواطن. فيصبح ابن خلدون موضوعاً ليس فقط للدراسات الاستشراقية العرقية بل أيضاً للدراسات الوطنية الإسلامية.