في طريق البحث عن فهم محيطنا الفلكي والأجرام السماوية من حولنا، واصل الفلكيون تطوير المناظير الفلكية بحيث يكبر حجمها وتزداد قدرتها على رصد الأجرام والأفلاك والمجرات البعيدة، بغية فهمها واستيعاب آليات عملها وقوانينها· ومن عصر إلى عصر، ظلت المناظير الفلكية تتنقل من جبل إلى آخر، ابتداء من قمة جبل ويلسون، حيث تم اكتشاف امتدادات الكون لأول مرة، مرورا ببالمور موطن العاكس الفلكي الشهير الذي ظل سيد الموقف، وأب المناظير الفلكية على امتداد ما يصل إلى نصف قرن، وصولا إلى منظار (مانوا كي) في هاواي وحتى تلسكوبات (كيك) البالغ قطرها 400 بوصة، ظلت التلسكوبات تطور ويجري البحث في رفع قدرتها على الرصد ومتابعة النجوم· وحتى في الفضاء، فقد أنشئ مرصد (هابل) الفضائي العملاق، الذي لا يضاهيه أي مرصد آخر، لكونه يعمل كآلة زمنية لا مثيل لها·
الآن ربما تكون اللحظة قد حانت لتطوير تلسكوبات أكثر حداثة· فاستنادا إلى التقدم التكنولوجي الذي أحرز خلال العقود القليلة الماضية، فقد عكفت مجموعة من الجامعات وهيئات الرصد الفلكي والجمعيات والدول المهتمة بالأمور الفلكية، على تطوير برامج وخطط ترمي إلى تطوير نوع جديد من التلسكوبات بحيث تقصر دونها حتى أعتى التلسكوبات التي عرفتها البشرية من قبل، بما فيها تلسكوب (مانوا كي) العملاق· ومن المخطط له أن تكون التلسكوبات التي يجري الآن التخطيط لتطويرها، قادرة على قطع مسافات أطول وأبعد مدى في الفضاء، وفي الحاجز الزمني أيضا· من المتوقع أن يكون قطر التلسكوب الجديد بطول 100 متر، تسهم في صناعته وتطويره الدول الأوروبية، ويتوقع له أن يحقق نتائج علمية غير مسبوقة وباهرة في مجال البحوث الفضائية·
وفقا لتوقعات العلماء المشاركين في التخطيط، فإنه سيكون في وسع هذا التلسكوب، التقاط صور فضائية أكثر دقة من تلك التي يلتقطها تلسكوب (هابل) الفضائي· كما سيكون في وسعه كذلك، التقاط وتجميع كميات أكبر من الضوء، تساعد في تقصي تاريخ المجرات العملاقة وحركة تشكلها والمواد والغازات التي تكونت منها قبل نحو عشرة مليارات عام· وسيكون في مقدور التلسكوب الجديد، رصد أشعة الضوء الخافتة الصادرة عن النجوم البعيدة، التي لم يتمكن بعد، أي من التلسكوبات والمراصد الفلكية المعمول بها حاليا من رصدها·
وباستخدام تلسكوب بالمواصفات الواردة أعلاه، كما يقول الدكتور رولف بيتر كودروزتشي مدير معهد علم الفلك في جامعة هاواي، فإنه سيكون ممكنا رصد لحظة (الارتطام الكبرى) وفي الوقت ذاته، تجميع معلومات عن بدايات الحياة في كوكب الأرض· ومن رأي العلماء الفلكيين أن تطوير تلسكوب بهذه المواصفات يمثل ضرورة علمية لا غنى عنها في سبيل معرفة الاكتشافات العلمية التي سيتوصل إليها مرصد (جيمس ويب) الفضائي الفلكي المقرر إطلاقه في عام 2011· يجدر بالذكر أن الولايات المتحدة الأميركية وشيلي تتعاونان معا من أجل إطلاق تلسكوب (أتاكاما) وهو عبارة عن مرصد إذاعي ضخم· وعلى الصعيد الأميركي نفسه، كانت أكاديمية العلوم القومية قد أعلنت في عام 2000 عن رغبتها في تطوير تلسكوب بقطر يبلغ 30 مترا، باعتباره الخطوة الأولى ضمن مشروع يرمي إلى تطوير تلسكوبات فلكية أكبر حجماً وكفاءة·
عموما فإن تطوير تلسكوب بتلك المواصفات التي تحدثنا عنها آنفا، سيكون أمرا بالغ التكلفة، بحيث تقدر بحوالى مليار دولار على الأقل، هي إجمالي تكلفة بنائه وتزويده بالمعدات والقطع اللازمة، فضلا عن تشغيله لمدة عشرين عاما· ووفقا لدراسة أجرتها ونشرتها مجلة (الفيزياء اليوم) فإن هذه التكلفة التقديرية تعادل التكلفة الكلية لكافة أجيال التلسكوبات التي تم تطويرها مؤخرا·
تعليقا على هذه التكلفة الباهظة، قال الدكتور ريتشارد إليس وهو أحد العلماء والباحثين الفلكيين في (معهد التكنولوجيا) بولاية كاليفورنيا، إننا سنواجه بصعوبة حقيقية في بناء واحد فقط من هذا النوع من التلسكوبات· يذكر أن معهد التكنولوجيا المشار إليه، يعد إحدى الجهات الرائدة في مثل هذه التجارب العلمية· وقال إن بناء التلسكوب، يتطلب بالضرورة مشاركة رأس المال الخاص وتوظيف موارده في هذا المجال، علما بأن مشاركة الموارد الخاصة في المشروعات الفلكية، أمر غير مألوف ونادر الحدوث عادة· وأوضح الدكتور ريتشارد إليس أن المشاركات السابقة لرأس المال الخاص في بناء وتطوير كل من تلسكوبات ( بالمور) و(كيك) وغيرهما من التلسكوبات والمراصد المثبتة على الأرض، قد حدثت بمبادرات رؤوس الأموال الخاصة بالجامعات ومؤسسات البحث العلمي، دون أن تكون لها أدنى صلة بإسهامات دافع الضريبة الأميركي·
يشار أيضا إلى أن الباحثين في كل من معهد التكنولوجيا وجامعة كاليفورنيا، قد خطوا أولى الخطوات نحو هذه الحقبة التكنولوجية الجديدة المرتبطة ببحوث الفلك وكشوفاته · ومع مطلع هذا العام أيضا، وافق اتحاد الجامعات والمراكز البحثية العاملة في مجال الفلك على الانضمام للجهود التي تبذلها جامعة كاليفورنيا في هذا الاتجاه· والمقصود هنا تحديدا، هو تطوير تلسكوب كاليفور