إذا ما كان يمكن لأفلام مثل "2100 – رحلة في الفضاء" و"ماتريكس" وغيرهما من أفلام الخيال العلمي، أن تزودنا بأي مؤشرات فمما شك فيه أن المؤشر الخاص بأن البشر لا يشعرون بالارتياح تجاه فكرة سيطرة الذكاء الاصطناعي على حياتهم سيكون أهمها على الإطلاق. طالما أن الأمر كذلك، فما الذي يدعو بعض الناس إلى الاعتماد على نموذج أو برنامج كمبيوتر في تنظيم استثماراتهم؟ يرجع السبب في ذلك أن مثل هذا الإجراء يؤتي ثماره في العالم الحقيقي. فالكثير من الصناديق المشتركة(المعروفة باسم الصناديق الكمية) Quantitative Funds التي تقوم بإجراء معاملاتها بناء على التوصيات التي يقدمها نموذج كمبيوتري مالي تفوقت في أدائها، وتمكنت من تجاوز العلامات المعيارية المحددة لها خلال السنوات الماضية، وهو ما لا حظه معظم المستثمرين. ففي المجموعة الدولية المعروفة باسم" فانجارد جروب" والتي أسست أول صندوق لها من هذه النوعية في العام 1985، تضاعفت كميات الأموال التي تديرها مجموعتها الاستثمارية بمقدار خمسة أضعاف خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث وصلت إلى 20 مليار دولار، بعد أن كانت لا تزيد عن 4 مليارات دولار في العام 2002. وعلى الرغم من أنه لا توجد مؤسسة استثمارية واحدة تقوم بالاحتفاظ بسجل لتدفقاتها المودعة في الصناديق الكمية، فإنه يمكن القول إن تلك التدفقات لا تشكل سوى جزء لا يزال ضئيلاً للغاية، من إجمالي الأموال المتداولة في صناعة الصناديق الاستثمارية المشتركة، والتي تقدر في الوقت الراهن بـ 9.5 مليار دولار. مع ذلك نجد أن كثيراً من مديري الصناديق الكمية يقولون إن معدلات الأداء الأخيرة لصناديقهم قد حظيت بالكثير من الاهتمام. ويمكن للصناديق الكمية أن تأتي في أشكال مختلفة. فبعض الصناديق مثل" فانجارد ستراتيجيك إكويتي فاند" المغلق على المستثمرين، والذي ارتفع بنسبة 5.9 في المئة خلال الفترة من يناير إلى يونيو الماضي يعتمد على النموذج الكمبيوتري في اتخاذ جميع القرارات العملية المهمة، مثل تحديد نوع الأسهم التي يتم شراؤها وتلك التي يجب بيعها، والجهات التي يجب أن يتم التعامل معها. ومما يذكر في هذا السياق أن التقنيات الكمية قد ظهرت للوجود في أوائل عقد السبعينيات من القرن الماضي، وأنها قد مهدت الطريق بدورها لظهور مؤشرات قياس أداء الأوراق المالية، وذلك عندما قامت شركة "ويلز فارجو"، بطرح صندوق مشترك قام بقياس أداء 1500 سهم في بورصة الأوراق المالية في نيويورك. وعندما تطورت عملية معالجة البيانات في أجهزة الكمبيوتر، فإن ذلك شجع بعض علماء الرياضة وأساتذة الجامعات على التخلي عن مناصبهم الجامعية والاتجاه للعمل في "وول ستريت" كما شجع المديرين الماليين على طرح المزيد من الخدمات المطلوبة في سوق الاستثمارات، وهو ما كان حافزاً بدوره للمستثمرين للاتجاه نحو نظم الإدارة الكمية بسبب الفوائد التي توفرها. وأبرز تلك المزايا هي أن النماذج الكومبيوترية الكمية تتمتع بقدرة على تحليل الأسهم والسندات، تفوق بكثير قدرة المحللين الماليين من البشر. فنموذج "شواب إكويتي ريتنج" على سبيل المثال يقوم بتحليل ما يقرب من 3000 سهم ومنحها درجات تقييمية تتراوح ما بين "أ" إلى "هـ" اعتماداً على أربعة معايير للقياس هي: المزايا الجوهرية، والتقييم، والزخم، والخطر. وأهم جوانب الصناديق الكمية جاذبية بحسب "جيف مورتايمر" المسؤول عن إدارة محافظ الأوراق المالية في مؤسسة "تشارلز شواب" هو أنه: "مع الصناديق الكمية ليس هناك مجال للعواطف في العملية الاستثمارية". وهو يقصد أن يقول إن المستثمر لا يكون عرضة لنزوات مدير الصندوق الذي يسافر إلى مكاتب الشركات المختلفة، والذي قد يتأثر بما يراه ويلمسه هناك، مما قد يدفعه لبناء قراره الاستثماري- جزئياً- على عواطفه الإنسانية المعقدة غير القابلة للقياس الكمي. وقد أظهرت دراسة أعلنت نتائجها العام الماضي في مجلة" فاينانشيال ريفيو" أن الصناديق الكمية قد تجاوزت- في المتوسط العلامات المعيارية المحددة لها- خلال الفترة من 1981-2000، ومع ذلك، فإن تبني المساهمين للكمبيوتر كي يقوم بتنظيم الاستثمارات وإدارتها استغرق وقتاً طويلاً، خصوصاً بالنسبة للأفراد. يرجع ذلك- ضمن أسباب أخرى- إلى النقد الموجه لهذه الوسيلة الاستثمارية، والذي يعيب عليها البعض اعتمادها على معلومات تاريخية مخزنة في الجهاز، وعدم قدرتها على تجميع واستيعاب المعلومات الحديثة بسرعة. وهناك عيب آخر ارتبط بالصناديق الكمية، وهو أنه وبسبب العدد الهائل من الإشارات، التي يرسلها نموذج الجهاز مع كل عملية شراء وبيع فإن الصناديق قد تظهر معدلات عائد أعلى من المتوسط، وبالتالي لا تكون على نفس الدرجة من الفعالية الضريبية (أي الاعتماد عليها لتحديد معدلات الضرائب)، التي تتسم بها صناديق المؤشرات. وهذا العامل نفسه هو الذي يقود شركات الصناديق إلى الحد من حجم تلك الصناديق. وعلى الرغم من أن أداء الصناديق الكمية لم يكن جيداً خلال السنوات الأخيرة، فإن هناك من يطالب المستثمرين بأن يكونوا حريصين قبل أن يدخلوا في هذا النوع من الصناديق في الوقت الراهن. يعلق "ديكسون" على ذلك بقوله:"إنني أشعر بالقلق بعض الشيء من قيام المستثمرين بالتركيز على مسألة الأداء تحديداً... خصوصاً وأن السنوات الثلاث الأخيرة لم تكن جيدة تماماً بالنسبة للصناديق الكمية". كما يحذر"ديكسون" من احتمال أن تصبح الاستراتيجية الجوهرية لتلك الصناديق أقل فعالية عندما يتم تسعير أسهمها بشكل دقيق. ففي تلك الحالة لن يكون من اليسير على مديري تلك الصناديق الوصول إلى العلامات المعيارية الموضوعة. زوبين جيلفي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب أميركي متخصص في شؤون التقنية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"