الصدر: حلم الثأر وتقلبات الموقف!
الصدر: حلم الثأر وتقلبات الموقف!
الدعوة التي وجهها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى ميليشيا "جيش المهدي" كي تلقي سلاحها، إنجاحاً لخطة أمن بغداد الجديدة، تثير كثيراً من التأويلات والمعاني المتضاربة. فتلك الدعوة التي استبق بها المالكي خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش، والذي كشف فيه يوم الخميس الماضي، عن نيته دعم خطة أمن بغداد بآلاف الجنود... ربما كانت مناورة من المالكي على الجانب الأميركي الذي طالما تشكك في جدية الحكومة العراقية فيما يتعلق بالتصدي للميليشيات المسلحة. كما قد تشير الدعوة ذاتها إلى تجدد الرغبة لدى أطراف عراقية في مواجهة الدور المتزايد لـ"جيش المهدي" باعتباره الذراع العسكرية لـ"التيار الصدري" بزعامة مقتدى الصدر، بما يحيل عليه هذا الاحتمال الأخير من حساسيات ومحاور تنافس تقليدي داخل الوسط الشيعي العراقي.
وأياً كانت الخلفية الحقيقية للنقاش الدائر حالياً في بغداد وواشنطن حول "جيش المهدي" بقيادة الصدر، فثمة معطيان بارزان؛ أولهما أن "جيش المهدي" متهم بالوقوف وراء جانب كبير من عمليات الاختطاف والقتل الجماعي والتهجير الطائفي داخل بغداد. وثانيهما أن التيار الصدري جزء من "الائتلاف العراقي الموحد" والذي ينتمي إليه المالكي نفسه.
لكن مواقف الصدر تقلبت بين الرفض المطلق للحكومة والمشاركة فيها، وبين ملاينة الاحتلال ومجابهته، وبين الدعوة الوطنية وشبهة التطهير الطائفي! فهل تعكس هذه التحولات شخصية الصدر ووعيه السياسي فعلاً؟!
بمقاييس السن والتجربة السياسية، يعد مقتدي الصدر شاباً بالقياس إلى المهمة التي انتدب لها نفسه، في مجتمع يعتبر العمر والخبرة من لوازم القيادة، لكن الصدر يستند إلى الرمزية التي تمثلها عائلته لدى شيعة العراق، وفي أوساطهم الفقيرة خاصة. فقد ولد في النجف عام 1973 لوالده المرجع محمد صادق الصدر، وتعلم على يديه وفي حوزة النجف، قبل أن يعهد إليه والده برئاسة تحرير مجلة "الهدى"، وبعمادة "جامعة الصدر الإسلامية". وبعد رحيل الأب آلت مسؤولياته إلى الابن، وضمنها إدارة العتبات المقدسة. أنصار مقتدي الصدر يلقبونه بـ"الإمام"، لكنه لم يصل مرتبة المجتهد، بل يعرف داخل الحوزة بأنه "طالب بحث خارجي"، وقد قال مراراً إنه ليس "مرجعية مقلدة"، بل وكيل آية الله كاظم الحائري. لذلك لا يعترف الصدر بأية مرجعية شيعية في العراق، وكثيراً ما انتقد الحوزة لأنها "تقليدية" وبلا دور، وهو موقف محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر الذين دعيا إلى قيام "المرجعية الرشيدة" أو "الحوزة الناطقة"، أي الحوزة التي تنشط سياسياً واجتماعياً. على هذه الخلفية عاد مجدداً ذلك التنافس التقليدي بين الصدريين وحوزة النجف بقيادة علي السيستاني، المرجع الأعلى لشيعة العراق، كما دفعت المنافسة بين الصدر و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، إلى تقارب السيستاني وعبدالعزيز الحكيم الذي تعوَّد سابقاً على انتقاد الحوزة لمهادنتها نظام صدام حسين.
بعد سقوط بغداد يوم 9 ابريل 2003 والانفلات الذي شهدته، بادر مقتدى الصدر بإنشاء قوة من رجاله لتأمين أحياء في المدينة، والسيطرة على بعض مستشفياتها، ودفع الرواتب لمئات من موظفي الخدمة العمومية في "مدينة صدام" التي سماها "مدينة الصدر". حينئذ طلب من العراقيين التسامح مع قوات الاحتلال الأميركي، اعتباراً لأن الظرف القائم لا يسمح بالدعوة إلى مقاومته بالسلاح. لكنه عاد في شهر سبتمبر وشن هجوماً عنيفاً على تلك القوات، وأعلن خلال خطبة الجمعة إنشاء قوات جديدة باسم "جيش المهدي". كانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياة الزعيم الشاب، إذ احتفل "جيش المهدي" بتخريج أول كتيبة منه في البصرة يوم 6 أكتوبر 2003، وفي النصف الأول من عام 2004 قدر تعداده بنحو 20 ألف عنصر، وأصبحت مدن النجف والكوفة والعمارة والناصرية والكوت... خاضعة كلها تقريباً لسيطرة الصدر؛ مما سيمهد لمعركة النجف الدامية في مايو من ذلك العام بين "جيش المهدي" والقوات الأميركية ومعها الحرس الوطني العراقي. تلك المعركة أرادتها أطراف عراقية داخل حكومة إياد علاوي، أما الأميركيون فأعلنوا أن هدفهم هو اعتقال الصدر نفسه على خلفية اغتيال رجل الدين عبدالمجيد الخوئي... لكن المعركة انتهت بشروط منها أن يرفع الصدر يده نهائياً عن عتبات ومراقد النجف التي تعتقد المرجعية الشيعية أن نظام صدام حسين مكّن فيها لمحمد صادق الصدر مقابل تعاون من نوع ما. وهي التهمة التي ينفيها الصدريون باعتبار أن مقتل الصدر الأب عام 1999 مع اثنين من أبنائه، تم على أيدي استخبارات صدام.
بعد أن رفض الاعتراف بـ"مجلس الحكم"، وبحكومة علاوي بعده، كـ"صنيعتين للاحتلال"، وبعد أن نزع الشرعية عن أي انتخابات في ظل الوجود الأميركي... اتجه الصدر إلى أسلوب التهدئة مع خصومه؛ فميدانياً تم تسريح آلاف من مقاتلي "جيش المهدي" وقلَّ ظهور مسلحيه في الشوارع، أما سياسياً فأصبح تيار الصدر مكوناً رئيسياً في "الائتلاف العراقي الموحد"، والذي خاض الانتخابات التشريعية في سبتمبر 2005 بقائمة مشتركة، لينال الصدريون وحدهم 33 مقعداً، وليتم تمثيلهم بحقيبتي الصحة والنقل في حكومة المالكي.
لكن الصدر عاد وصعَّد مجدداً؛ ففي الشهر الماضي هدد بسحب ممثليه في الحكومة والبرلمان إذا ما تم اللقاء الذي كان مقرراً من قبل بين المالكي وبوش في الأردن، لكنه لم ينفذ تهديده في نهاية الأمر! حلم واحد في هذا الخضم المتقلب لم تبتلعه حسابات ومواقف الشاب المعمم، ألا وهو الثأر من صدام حسين؛ فقد أوقف الصدر تهديداته كلياً مقابل تعهد من المالكي بإعدام "صدام التكريتي" قبل نهاية عام 2006. ووسط الهتافات التي رددت اسم الصدر بجوار المشنقة، ضاعت من الأذهان صور المسيرة المليونية المشتركة التي خرجت في بغداد قبل عامين ونصف العام، تضامناً مع النجف والفلوجة معاً... لم يبقَ إلا صور المقنَّعين الأربعة، أو دماء وجثث اعتادت أن تتركها وراءها فرق الموت في أحياء كالغزالية وشارع حيفا!
فهل يمكن للمالكي أن يجعل من "جيش المهدي" و"فيلق بدر" و"البشمرجة"... جزءاً من عملية حقيقية لإعادة الطمأنينة إلى بغداد المروَّعَة؟!
محمد ولد المنى