عاش العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ما سمي "الحرب الباردة". وكان ميثاق الأمم المتحدة نصّ على نظام للأمن الجماعي، سوى أن هذا النظام تعثرت إقامته، بسبب دخول معظم دول العالم دائرة الحرب الباردة. وبغية تجنب حرارة "الحرب الباردة" بالانضمام إلى أحد المعسكرين، نشأت حركة عدم الانحياز منطلقة من باندونغ-1955، لتضم عدداً كبيراً من الدول المنتمية إلى "العالم الثالث" وكان أبرز نظم الأحلاف حلف شمالي الأطلسي (1949) وحلف وارسو (1951). ومن المعروف أن الحلف الثاني انحلّ إثر انتهاء الحرب الباردة، في حين أن الحلف الأول طوّر نفسه واتسعت دائرته.
إن مقاومة الاستعمار، التي شكلت الدول العربية –أو بالأصح الشعوب العربية- قوامها ولبها تاريخية أي أنها راهنة ومستقبلية أيضا. ففي القرنين السادس عشر والسابع عشر بدأ عهد الإمبراطوريات الاستعمارية القائم على الاحتلال العسكري ونهب الثروات الطبيعية وتسخير شعوب المستعمرات للأغراض الاقتصادية والاستثمارية.
لدى انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945) أخذت الأقطار العربية، الواحد تلو الآخر تتحرر من الاحتلال. ولقد شهد عقد السبعينيات من القرن الماضي انتهاء الاحتلال والاستعمار بمساعدة حركة عدم الانحياز وانحيازها لحق الشعوب في تقرير مصيرها. وإننا لنشهد اليوم ولادة مرحلة جديدة من الوجود العسكري الأجنبي تختلف في أسبابها وأشكالها عن المراحل السابقة. وليس احتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية في عام 2003 سوى ذلك الشكل الجديد من أشكال الاحتلال والاستعمار، وإن كانت أسبابهما تختلف عن أسباب القرون الماضية، حسب ادعاء الإدارة الأميركية الحالية.
وهكذا امتدّ عصر الاستعمار الغربي فترة جديدة من الزمن، حتى تشكّل له ملف مستقل خاص به، يتضمن أعمال الاحتلال والإرهاب والنهب والسلب والفساد والظلم التي تستغرق فترة هي أسوأ فترات التاريخ البشري ظلماً وإجراماً. ويكفي أن نشهد نموذجين اثنين للاحتلال والاستعمار في قلب الوطن العربي، فالحرب الإبادية التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني وأعمال الاحتلال والاستعمار التي تمارسها القوات الأميركية في العراق هما مثلان للعدوانية والاحتلال والاستعمار. فإذا كانت بريطانيا هي "ثعلب الاستعمار العجوز" فإن إسرائيل والإدارة الأميركية الحالية هما مدمّرا الحضارة الحديثة وضبعا الاحتلال والاستعمار بمقاييس القرن الـ21.
وإذا اختلفت مصادر الاحتلال والاستعمار ودولهما فإن منهجهما لا يزال واحدا وكذلك أساليبهما. فعندما كانت بريطانيا زعيمة الدول الاستعمارية كان ينظر إليها على أنها أحد مهود الحضارة الغربية وأحد مؤسسيها. ولقد انتقل هذا الدور إلى الإدارة الأميركية الحالية، حيث تعد الولايات المتحدة موئل الحضارة الغربية في القرن الـ 21. سوى أنه لابد من الاعتراف بأن الإمبراطوريات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والأسبانية وغيرها مزقت جسد الوطن العربي شر ممزق. لهذا فشلت حركة التحرر العربي في تحرير فلسطين من الصهيونية وفي إنجاز مشروع النهضة العربية الوحدوي وفي توسيع المشاركة الشعبية الديمقراطية.
لقد بنيت الإمبراطوريات الغربية على العدوان والاحتلال والاستعمار والنهب. ولم تفعل الإدارة الأميركية الحالية في العراق إلاّ مثل ما فعلته هذه الإمبراطوريات السابقة، حينما غزت العراق واحتلته واستعمرته.
وكانت الظاهرة الغربية تؤكد أن الحضارة الغربية حضارة إنسانية. ولكنها تدريجياً، كشفت عن وجهها الدارويني، حينما أرسلت جيوشها وأساطيلها الاستعمارية إلى بلادنا العربية والإسلامية لتحتلها وتستعمرها وتحولها إلى مادة استعمالية كمصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة والسوق المفتوحة. ويعني هذا أن من واجبنا أن نقود، مرة ثانية، حركة مقاومة الاحتلال والاستعمار، مثلما كنا طليعة الحركة التاريخية الأولى. ولكن القيادة تتطلب التضحية، كما تتطلب أيضاً استراتيجية مقنِعة وقادرة على جذب الرأي العام العالمي في الدول التي تخوض حروب احتلال واستعمار والرأي العام للشعوب التي تتعرض للاحتلال والاستعمار.
وما لم تكن تلك الخطة مقنِعة مرفقةً بتضحيات فستكون ثقافية اجتماعية أكثر منها ذات فائدة قادرة على مقاومة الاحتلال والاستعمار. وهذا ميدان جديد لتجربتنا وخبرتنا.