سكب المياه على الرمال
من المعروف علمياً ومنطقياً أن الزراعة في الأرض الرملية، تعبٌ بلا فائدة, ولا يُجنى من ورائه زرع ولا ثمر, خلافاً للأرض الطينية التي تحتفظ بالماء فتساعد على نمو المزروعات. وسكب المياه في الأرض الرملية، يشبه حال المؤتمرات الثقافية والعلمية (باستثناء المؤتمرات الدينية لأنه لا قيمة لها ثقافياً وعلمياً), التي تصرف عليها حكوماتنا، خاصة الخليجية منها، الملايين من الدولارات، ثم توضع هذه الدراسات برغم أهميتها وضرورتها على الأرفف حتى يعلوها الغبار, ودون أن يستفيد المجتمع والدولة منها شيئاً, بل حتى الحكومة ذاتها، والتي صرفت هذه الأموال لا تهتم بما ورد في هذه المؤتمرات من مقترحات أو حلول لمشاكل ثقافية أو اجتماعية أو علمية. ولعل الفائدة الوحيدة لمثل هذه المؤتمرات تكمن في الالتقاء بعلماء ورجال ثقافة أفاضل، لا يتحصل للمثقف الالتقاء بهم إلا في مثل هذه المؤتمرات، وهذا بحد ذاته مكسب مهم على المستويين العلمي والثقافي.
من جانب آخر يُستدل من قلة الحضور عدم اهتمام الناس بمثل هذه المؤتمرات, فتقوم الدولة الداعية، لسد هذه الثغرة المُخجلة، بدعوة أكبر عدد ممكن من المثقفين والعلماء, لأن هذا هو الحل الوحيد لملء الكراسي الفارغة, بل ويحدث كثيراً أن الضيوف الزائرين يقضون بعض أوقاتهم في التسوق بعد إلقاء محاضرتهم, وهو شيء مُخجل، لكن ما العمل مع الأسواق الخليجية التي تستورد كل شيء، حتى البشر, لكن ليس للبيع والشراء!! ومن الغريب أن الجمهور العربي المسلم يتزاحم جنوناً على قاعات المحاضرات التي تعرض تفسير الأحلام والموضوعات الدينية التي لا فائدة منها للعقل، وذلك بسبب روح التأثيم الكامنة في ضمير هذا الإنسان, حيث تدور حياته الفارغة أصلاً من العقلانية, بين الحلال والحرام وما يجوز وما لا يجوز, وكأنه حمل على ظهره آثام الكون الفسيح!
هل يعني هذا التوقف عن إقامة مثل هذه المؤتمرات النافعة والقيّمة لما تضمه من أبحاث ودراسات؟ بالطبع، لا... لكن من الواضح أن عملية الصرف على هذه المؤتمرات لا تختلف عن سكب الماء في الأرض الرملية التي لا تُنبت زرعاً ولا تنفع ضرعاً. ولعل أحد الحلول الممكنة لمثل هذه الإشكالات يتمثل في إجبار الطلبة، خاصة طلبة الجامعة للاستفادة من البحوث المعروضة, ومن الممكن تضمينها في المقررات الدراسية سواء في الدراسات الجامعية, أو اختصارها، تسهيلاً للطلبة في المرحلة الثانوية والكليات الفنية على سبيل المثال لا الحصر. ولابد من قيام المختصين في علمي الاجتماع والنفس بدراسة هذه الظاهرة المؤسفة, والتعرّف على سلبياتها، إذ من الممكن أن تكون لدى الآخرين وجهات نظر مختلفة، وربما حلول ونحن لا نعلم عنها شيئاً, بسبب تجاهل المؤتمرين توجيه الخطاب للعامة, بما يؤدي إلى ردة فعل معاكسة بتجاهل مماثل, وربما هناك أسباب أخرى. المهم في الموضوع ألا نستمر في سكب المياه (صرف الأموال العامة) في الأرض الرملية، والتي تمثل المجتمع العربي المسلم.