الدبلوماسية الأميركية ودور القيادة
تحولت الدبلوماسية ونهج العمل الدولي الجماعي المرتبط بها، إلى غاية بحد ذاتهما عند كثير من صناع السياسات الخارجية في كل من واشنطن ونيويورك، بدلاً من أن يكونا أدوات عمل لتحقيق أهم أهداف الأمن والسلم القوميين أو الدوليين. وفي كتاب "الاستسلام ليس خياراً: الدفاع عن أميركا في الأمم المتحدة والمحافل الدولية"، يحاول جون بولتون سفير الولايات المتحدة بالأمم المتحدة ووكيل وزارة الخارجية الأميركية للتحكم بالأسلحة والأمن الدولي سابقاً، التصدي لأهم الأسئلة المثارة حول دور العمل الدبلوماسي، خاصة من منظور السياسات الخارجية الأميركية. ورغم كونه جمهورياً ومن أشد المقربين للرئيس بوش حتى وقت قريب، وسبق أن عمل في ثلاث إدارات جمهورية، إلا أنه أعلن مؤخراً عن مفارقته لسياسات الإدارة الحالية، واتخذ موقفاً انتقادياً منها، لاسيما سياساتها الخارجية إزاء كل من كوريا الشمالية وإيران. وفي إطار هذه الانتقادات، يناقش المؤلف كيف يمكن لأميركا أن تقود العالم نحو ترتيبات أمنية دولية أكثر واقعية خلال القرن الحالي. كما ارتبطت هذه الرؤية المستقبلية لسياسات أميركا الخارجية، بتحديد أهم التهديدات الأمنية المتوقعة.
وقبل ذلك تناول المؤلف المعارك والمشاحنات السياسية الثنائية الحزبية التي أحاطت بتعيينه ممثلاً دائماً لبلاده في الأمم المتحدة عام 2005، خاصة المعركة التي خاضها مجلس الشيوخ في إجازة ترشيحه للمنصب، وما أسفر عنها من سجال ومعارك صحفية مشهورة، إضافة إلى حديثه عن مدة توليه لذلك المنصب خلال ستة عشر شهراً التي أعقبت التعيين. ذلك هو الجزء المتعلق بالشق الدبلوماسي من سيرته الذاتية، بما فيها ما نسبه لنفسه من نجاح وإنجازات أو خيبة أمل وإخفاقات في قيامه بتلك المهمة.
على أن الجانب الأهم من الكتاب، هو المتعلق بالصورة القاتمة التي رسمها عن وزارة خارجية بلاده، ووصفه إياها بالانغماس في بركة من الركود البيروقراطي، وبضعف أدائها العملياتي الذي يضعف فاعليتها ويعيق قدرتها على القيام بدورها الدبلوماسي الدولي المنوط بها. ويكتسب الأهمية نفسها وصفه لانشغال الأمم المتحدة على -حد تعبيره- بحراسة "أبقارها المقدسة" ومصالح كبار موظفيها، أكثر من انشغالها بخطر انتشار الأسلحة والمآسي الإنسانية التي يشهدها عالم اليوم.
هنا لا يكتفي المؤلف بانتقاد أداء الخارجية الأميركية والأمم المتحدة فحسب، إنما يمضي إلى تقديم رؤيته الخاصة لأهم الأزمات الأمنية والإنسانية الماثلة الآن: الأسلحة النووية لكوريا الشمالية، مساعي إيران لصنع أسلحتها النووية، المأساة الإنسانية بإقليم دارفور، تداعيات الحرب الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله"، النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، الحرب على العراق وأفغانستان وغيرها من قضايا وأزمات. وضمن ذلك تناول المؤلف سلباً وإيجاباً النتائج التي أفضى إليها موقفه المتشدد ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل، والمنظمات الإرهابية والدول الفاشلة، إلا أنه وازى ذلك التقييم باتهامه للأمم المتحدة باتخاذ موقف متحيز ضد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولا يقف هذا التناول على تخوم الوصف وحدها، وإنما يتعداها لإثارة جملة من الأسئلة المهمة، منها على سبيل المثال: هل تبقت الولايات المتحدة الدولة المثالية الوحيدة في علاقتها بالمنظمة الدولية، في موازاة دول أخرى لا تستحي من توظيف المنظمة مخلباً لسياساتها الخارجية الخاصة؟ وهل تخلت الولايات المتحدة عن القيام بدورها القيادي، بكل ما لهذا الدور من أهمية لأمنها القومي ولأمن حلفائها وأصدقائها؟ وهل حان الوقت لإعادة النظر في مجمل أدوات الدبلوماسية الأميركية؟
وبالطبع فإن في الكتاب كله ما أثار انتقادات البعض وتحفظاتهم، خاصة فيما يتعلق بدور بلاده ومواقفها وعلاقتها بالأمم المتحدة. وهناك من لاحظ أن علاقة واشنطن بالمنظمة ربما كانت الأكثر اختلالاً، على نحو ما رأينا في عدم شرعية إعلانها الحرب على العراق عام 2003، وكذلك موقفها من محكمة الجزاء الدولية وبروتكولات معاهدة "كيوتو"... كما أخذ البعض على بولتون مواقفه وانحيازه لمجمل سياسات إدارة بوش، بما فيها سياساته الخارجية وإدارته للحرب على الإرهاب، والتي طالما تولى هو مهمة الدفاع عنها داخل المنظمة الدولية.
لكن رغم هذه المآخذ، هناك من أثنى على الكتاب حتى من خصومه السياسيين، لكونهم رأوا فيه تأكيداً لجملة من الحقائق والمبادئ العامة لممارسة العمل الدبلوماسي، في مقدمتها أن الأمم المتحدة ليست عميلة لأميركا ولا هي مطالبة بالدفاع عن سياسات واشنطن. ثانياً أهمية إصلاح المنظمة الدولية ورفع أهليتها بما يمكنها من أداء دورها الإجماعي الدولي. ثالثاً علينا أن نأخذ ما يصدر عنها مأخذ الجد، وأن نعمل على مساعدتها في تجاوز عجزها عن تعريف مفهوم الإرهاب. رابعاً لا بد من معالجة مشكلة أداء الدبلوماسيين لدورهم داخل المنظمة، خاصة في حال دفاعهم عن مصالح البلد أو القطر الإقليمي الذي يمثلونه.
ويجب هنا على الدبلوماسي أن يدرك حقيقة أن الأمم المتحدة ليست مطالبة بتبني المصالح والسياسات التي يدافع عنها الدبلوماسي نيابة عن بلده. وأنه ينبغي للدبلوماسيين ألا يحولوا المنظمة الدولية إلى منبر للهجوم على الدول أو الشعوب الأخرى، على نحو ما فعلت الولايات المتحدة. وأخيراً فإن للدبلوماسية خسائرها وأرباحها، ومن أكبر خسائرها إضفاء شرعية غير مستحقة لبعض الأنظمة الخارجة على القانون، وإتاحة الفرص لها عبر الأمم المتحدة لبث دعايتها وأفكارها المسمومة.
عبد الجبار عبدالله
الكتاب: الاستسلام ليس خياراً: الدفاع عن أميركا في الأمم المتحدة والمحافل الدولية
المؤلف: جون بولتون
الناشر: إصدارات "ثريشولد" من دار "سايمون آند شوستر"
تاريخ النشر: 2007