تثير قضية العمالة الوافدة في دول "مجلس التعاون" جدلاً كبيراً حول التأثيرات السلبية لتصاعد نسبة هذه العمالة على الهوية الوطنية لهذه الدول وتركيبتها السكانية. ومن هنا، تحظى هذه القضية باهتمام لافت من قبل دول "مجلس التعاون"، خلال المرحلة الراهنة، خاصة مع تصاعد المخاوف مما يمكن أن يرتبه وجود هذه العمالة لسنوات طويلة من استحقاقات بعينها. ومن هذا المنطلق ظهرت الأفكار الداعية إلى ضرورة وضع سقف زمني معيّن لبقاء العامل الوافد، على أن يُطبّق ذلك فقط على العمالة غير الماهرة. وكغيرها من الدول الخليجية الأخرى، فإن دولة الإمارات مهتمة بهذه القضية، خاصة أن الطفرة التنموية التي تشهدها، أدت إلى زيادة في نسبة العمالة الوافدة. وفي هذا السياق تم اتخاذ العديد من الخطوات، منها المحاولات الرامية إلى إعادة تنظيم سوق العمل. ونشير في هذا الصدد على سبيل المثال إلى المرسوم الاتحادي رقم 8 لسنة 2007، بتعديل بعض أحكام القانون الاتحادي رقم 8 لسنة 1980، والذي تضمّن حزمة من العقوبات المشددة بحق مخالفي الإقامة، تنوعت ما بين الحبس والغرامة المالية أو الجمع بين العقوبتين، ومنها ما تم إنجازه من اتفاقيات وتفاهمات مع الدول المرسلة للعمالة في إطار ثنائي، أو في إطار أوسع، على غرار اللقاء التشاوري حول العمالة التعاقدية للدول المرسلة والمستقبلة بآسيا المسمى بـ"حوار أبوظبي"، الذي عقد مؤخراً، بمشاركة وزراء العمل في 11 دولة آسيوية مصدّرة للعمالة، مع 10 دول مستقبلة لها، وهي "دول مجلس التعاون"، بالإضافة إلى اليمن وكوريا وسنغافورة وماليزيا، وصدرت عنه وثيقة مهمة حملت مسمى "إعلان أبوظبي حول العمالة المؤقتة"، وقد أعقب هذا اللقاء استضافة الدولة لفعاليات الدورة الثانية لمنتدى الخليج حول العمالة المؤقتة، لمناقشة التحديات والفرص في ملف العمالة التعاقدية الوافدة بدول المجلس. وفي سياق تفاعله مع هذه القضية المهمة، أوصى "المجلس الوطني الاتحادي" في جلسته الأسبوع الماضي، بعدم السماح بمدّ إقامة العاملين الخاضعين لأحكام قانون العمل، وكذلك خدم المنازل ومَنْ في حكمهم، وعمال الزراعة أو المراعي لأكثر من ست سنوات متصلة، وذلك باشتراط المغادرة وعدم العودة ثانية إلا بإذن جديد وإقامة جديدة. ومما لاشك فيه أن هذه التوصية تؤكد الاهتمام الذي يحظى به موضوع العمالة الوافدة في الإمارات، وجدّية التعاطي معه على قاعدة حماية المصالح الوطنية العليا للدولة، وبالنظر إلى الأهمية المركزية لهذا الموضوع وتأثيراته على صُعد متعددة، فإن توصية "المجلس الوطني"، يمكن توظيفها، بعد مناقشتها بشكل موسع من قبل الجهات المعنية، في إطار الجهود المتواصلة التي تبذلها الدولة على هذا الصعيد. بيد أن ما يجدر تأكيده، أن ملف العمالة الوافدة الذي يتسم بقدر عالٍ من التعقيد، يتطلب أيضاً رؤية شمولية تتيح لمؤسسات الدولة جميعها المشاركة في الجوانب المختلفة للتعاطي مع هذا الملف، ولعل من أهم المداخل التي يجب التركيز عليها في هذا الإطار، موضوع التأشيرات التي يجب تنظيمها بشكل أكثر إحكاماً، من خلال وضع معايير واضحة تمنح على أساسها المؤسسات والشركات التجارية تأشيرات الزيارة، وتقنين منح تأشيرات الزيارة الفردية، إلى جانب اتخاذ الإجراءات اللازمة حيال التدقيق في منح تصاريح السياحة والزيارة للشركات السياحية، وضرورة الاقتصار على منح التأشيرات للشركات المؤهلة للقيام بمثل هذا النشاط، مع وضع رقابة صارمة سابقة على إصدار التأشيرة ولاحقة عليها، والتأكد من تطبيقها على أرض الواقع، عبر إنشاء "قاعدة بيانات مركزية للتأشيرات" على المستوى الاتحادي، وهذا ما أكده "المجلس الوطني" بقوة في توصيته. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية