فلسطين فتق القلب العربي وجرحه النازف هذه الأيام في حرب خلفت دماءً لم تتشرَّبها الأرض بعد، وما زال الكيان المعتدي مستمراً في تمزيق غزة وإبادة المدنيين، في عالم عربي شاء له القدر أن يكون مقسَّما. بعد كامب ديفيد وقمة الدول العربية بفاس المغربية 1982 التي خرجت منها مبادرة الأمير فهد آنذاك للسلام مروراً بحرب تحرير الكويت إلى مؤتمر مدريد إلى أوسلو ثم قمة بيروت والمبادرة السعودية للسلام، ثم سقوط بغداد، وأخيراً حرب يوليو 2006 بين إسرائيل و"حزب الله"، ظهر في الشرق الأوسط محور للاعتدال يضم دولاً إقليمية لها بعدها الديمغرافي والجغرافي والديني والاقتصادي. هذه الدول بدأت تأخذ على عاتقها المضي في طريق السلام مدعومة من أطراف عدة أهمها أميركا لمواجهة التيار المقاوم الرافض لوجود إسرائيل. وإذا أمعنا النظر في شرقنا الأوسط، سنجد محوراً آخر تقوده إيران وتدور في فلكها سوريا وذراعاها، "حماس" و"حزب الله"، هذا المحور الذي عُرف أميركياً بـ"محور الشر" أخذ على عاتقه نهج المقاومة في خطابه السياسي، ولكنه سقط في الأحداث الأخيرة إذ لم يحرك ساكناً. ولعل إسرائيل بعدوانها على غزة أعطت لدول مثل إيران تعاطفاً في الشارع العربي الإسلامي، لما يحمله خطابها السياسي من تهديد ووعيد لإسرائيل، وهي بذلك تضرب محور دول الاعتدال في الصميم. وهنا تخسر هذه الدول شرعية النهج في سياستها الخارجية الذي تراهن عليه، فيما يراهن المحور الآخر على فشل أي سلام مع إسرائيل، وها هو خالد مشعل يصرح بأن نهج المقاومة مستمر والعدوان الأخير منحها تعاطفاً وشرعية، وأن السلام أصبح مرفوضاً. وما زاد في ضعف محور الاعتدال هو موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي أيد وبرر ما تفعلهُ إسرائيل، فزاد من السخط في الشارع العربي والإسلامي. وبدا هذا واضحاً عندما تخلت تركيا عن دور الوساطة بين سوريا وإسرائيل، مع ما يعني ذلك من سحب دولة من "محور الشر" إلى محور الاعتدال. ولكن محور الاعتدال وجد بذرة الأمل في الموقف الفرنسي، ثم كانت المبادرة المصرية، التي اُعتبرت آلية لتنفيذ قرار مجلس الأمن، عودةً للمعتدلين، وكانت حال الوفد العربي في مجلس الأمن يقول إنه حان الوقت ليدرك العالم أن اضمحلال هذا المحور يشكل رمحاً مسمومة في أمن العالم العربي سيطال مفعوله ما وراء المنطقة. ولكن حتى يكسب المعتدلون الشرعية المفقودة لنهجهم، لابد أن يدركوا أن السلام لن يتحقق إلا بالقوة المادية الرادعة التي يجب أن تأخذ حيزاً في خطاب الدول، بينما الواقع يخالف المفروض، فهي تملك حيزاً من القوة العسكرية وقوةً اقتصادية أكبر لم تلوِّح بها في خطابها، فمصر مثلا ركزت كل "استراتيجيتها" في الحرب على غزة بتقوقعها على معبر رفح تغلقه أياما وتفتحه ساعات. أما السعودية فكان يُتوقع منها أن توجه خطابها للإدارة الأميركية تطلب منها لجم الآلة العسكرية الإسرائيلية إن كانت تريد دولةَ إسرائيل وأنظمة معتدلة وأن تعي الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي أن إطلاق العنان لإسرائيل تعتدي كلما عنَّ لها ذلك، سيقضي على نهج الاعتدال في المنطقة. وأخيراً، إن قيام دولة فلسطين والتحرك قبل ذلك بمحادثات سلام مع أطراف النزاع، هو التحدي الحقيقي الذي يحدد شرعية هذا النهج لدى "محور الاعتدال"، الذي بدأ هذا المسار عندما صرحت السعودية أن حرب يوليو مغامرةٌ غير محسوبة. ويَظهر هذا الموقف والنهج جلياًّ اليوم في دعم محور الاعتدال لحركة "فتح"، التي ترى الحل في الدخول من بوابة المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.