بدا لنا من قمة الدوحة أن هناك انقساماً واختلافاً في الرؤى، حيث ترى دول محور الاعتدال أن سبب الأزمة هو الانقسامات الفلسطينية حول السلطة والتي كرست اتخاذ كل طرف القرارَ السياسي دون الرجوع إلى الآخر، إلى جانب ما يلعبه الدور الإيراني في هذا الشأن. ولعل الأزمة العربية انفجرت بشأن من سيحمل على عاتقه قمة توحيد الرؤى أو على الأقل أن يجعل منها قمة ذات صوت مسموع لدى العالم الغربي الذي لم يقُم بما يكفي للضغط على إسرائيل لوقف جرائم الإبادة التي كانت تتم على مرأى ومسمع من العالم أجمع. هنا بدأت المملكة العربية السعودية تنظر بتوجس إلى ما يحدث من انقسامات عربية حول مبادرة السلام والسياسات الإسرائيلية في المنطقة، وذلك لأسباب محددة، أولها الدور القطري الذي أخذ حيزاًَ في المنطقة العربية ودخل محور الممانعة بعد تجميده العلاقات مع المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، حيث استطاع أمير قطر عقد مؤتمر من أجل غزة بمن حضر بعدما تعذر عقد قمة عربية مكتملة النصاب. ثانيها أن الخارجية السعودية تعلم أن مصر متشبثة بالسلام مع إسرائيل، وهي لن تضغط على إسرائيل بالتلويح بنقض اتفاقية كامب ديفيد، لذلك رأت المملكة أن من واجبها تغيير تلك اللهجة الموجهة للغرب عموماًَ وإسرائيل تحديداًَ، وهي أن خيارات السلام لن تدوم طويلاً. وهذا التصريح يحد من الدور الإيراني الذي ما أن قَدِم نجاد إلى السلطة حتى بدأ يوجِّه الخطابات المتشددة إلى إسرائيل لتثبيت شرعيته ولمخاطبة العالم الإسلامي بأن عدوه إسرائيل ومن يدعمها. وهنا تجاوز للدور الإسلامي الذي هو تقليدياً دور سعودي، لذلك كان على الرياض أن تغير من لهجة خطابها ومسارها الدبلوماسي في القضية الفلسطينية، كما أن هناك غموضاً في خيارات السلام. أما السبب الثالث هو أن المملكة انتهت في سياساتها الخارجية مسار حوار الأديان الذي دعت إليه وعقد لقاء حوله في الأمم المتحدة في نوفمبر الماضي، وهو ما ترى المملكة اليوم أنه لم يَعُد واقعياًّ، كما أنه غير ذي جدوى ما دام لا يستطيع تحييد خيارات القوة وتغليب السلام على ما عداه من الاعتبارات. السبب الرابع هو تلاقي خطاب المملكة مع الشارعين العربي والإسلامي اللذين يريان أن الوضع يحتاج إلى الوقوف وقفة جادة وصارمة مع إسرائيل والعالم الغربي. وعندما يقول الملك عبد الله إن خيار السلام لن يدوم طويلاًَ فهو يوجه خطابه للغرب قائلا إنكم لم تقدموا ما هو كافٍ للضغط على إسرائيل لإقامة سلام يحقق للمنطقة استقرارَها ويمهد لقيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس، وعندما يقول إن التوراة تقول العين بالعين، فهو يقول لإسرائيل إن دماءنا ليست أرخص من دمائكم، وعندما أعلن التبرع بمليار دولار قال إن قطرة الدم الفلسطينية لا تساويها كنوز الأرض، أي أن المملكة لن تكتفي بالتبرع بالمال. وهذه إشارات تعني في المحصلة أن هناك تحولا يرى العاهل السعودي وجوبَ حدوثه في سياسات المملكة الخارجية. وتنطوي رسائل الخطاب السعودي الضمنية على مستويين؛ المستوى الدولي ويخص تحميل إدارة أوباما الجديدة خيار التسوية الذي لم تستطع الإدارات السابقة تحقيقه، وهذا أمر يجب على الإدارة الأميركية أن تضعه في أولوية أجندتها الخارجية. وعلى المستوى الإقليمي، توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى إسرائيل بعد أن ضربت بمسار التسوية عرض الحائط وخذلت محورَ الاعتدال، إلى جانب تحميلها جرائم الإبادة في غزة. كما أن المملكة تبعث برسالة إلى إيران وسوريا مفادها أنها تستطيع من خلال تحركاتها السياسية والدبلوماسية أن تملأ فراغ الدولة المؤثرة في العالم العربي والإسلامي الذي لا تستطيع إيران وسوريا ملأه.