العباءة التركية
ها هي العباءة التركية تتغير، عباءة صبغها مؤسس الدولة القومية التركية مصطفى كمال "أتاتورك" بالنهج العلماني والقومي. لقد كانت غربية الصبغة شرقية الجسد في دور عُهد لها به لتكون جداراً يقف أمام تغلغل النفوذ الشيوعي السوفييتي طيلة أيام الحرب الباردة. ورغم أن تركيا أول دولة في العالم الإسلامي معترفة بإسرائيل منذ عام 1949، فقد كانت تميل إلى العرب في الأزمات والحروب حيث وقفت مع قرار إدانة الصهيونية كشكل من أشكال العنصرية في الأمم المتحدة وأيدت القضية الفلسطينية. وبعد الحرب الباردة وضبابية تحول تركيا إلى دولة غربية الأيديولوجيا وغموض مطلبها في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي وبقائها كموقع جغرافي بين الغرب والشرق، لم تعد تركيا ترضيها النظرةُ الأميركية إليها باعتبارها ديمقراطية ناجحة في العالم الإسلامي، وأنها دولة مؤسسات رغم الحضور البارز للمؤسسة العسكرية، وبأنها وإسرائيل هما النموذج الوحيد الذي يصلح ليشكل مشاريع مشتركة في منطقة ترى أميركا أن الإسلام الأصولي بدأ يستعر فيها.
لقد كانت تركيا تعتمد في علاقاتها الدولية على مرتكزين، أمني واقتصادي إلى أن استدعت البعد الديني والتاريخي. ولعل هذين المرتكزين أسسا لعلاقاتها مع إسرائيل التي بدأت عام 1992 تأخذ بعداً قوياً تُوِّج بتوقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي عام 1996. وتقوم المصالح التركية هنا على ثلاثة أهداف. أولاً، دعم اللوبي اليهودي في أميركا ضد تبني قضية مذبحة الأرمن عام 1915، والتأثير على السياسة الأميركية في ملف قبرص والحدود الإقليمية على بحر إيجه مع اليونان إلى جانب الدعم في دخول النادي الأوروبي. ثانياً، الدخول إلى الأسواق العالمية التي يعتبر اليهود الأكثر نفوذاً فيها. ثالثاً، الحصول على السلاح والتكنولوجيا المتطورة.
ورغم أهمية تركيا فإنها لم تستطع دخول الاتحاد الأوربي، بل حتى علاقتها مع واشنطن أصبحت بعد احتلال العراق في أدنى مستوياتها. ويأتي فتور علاقتها مع إسرائيل، ولو خطابياًّ، بسبب علاقة الأخيرة مع الأكراد، إلى جانب الخشية من تحويل ملف مذبحة الأرمن من قبل اللوبي اليهودي في أميركا في أجندة السياسة الخارجية الأميركية من خلال الإدانة، بالإضافة إلى مخاوف إسرائيل من أن يحدث تقارب غير اقتصادي بين إيران وتركيا.
وفي ظل ضعف دور الدول الإقليمية وبروز دول من خارج المنطقة، رأت أنقرة أن العزف على البعد الديني والتاريخي لأول مرة منذ قيام الجمهورية، سيعيد لها دوراً دولياًّ فاعلاً تحقق منه الأساس الأمني والاقتصادي. فحرب غزة وإيقاف الوساطة التركية بين إسرائيل وسوريا وبروز الخطاب التاريخي الديني لأردوغان، وإدانة المجازر... لهو دخولٌ كبير في عملية السلام المتعثرة في المنطقة. ثم جاءت قمة دافوس لتُظهِر رغبة تركيا في تبني قضايا الشرق الأوسط الذي تراه مَنفذاً لها كفاعل إقليمي ودولي ذي أهمية جغرافية وديمغرافية وسياسية ودينية وتاريخية، وهي التي طالما نظر إليها الغرب من خلال هذا البعد.
ويمكن إجمال أهداف ومكاسب تركيا من هذا التحرك في رغبتها أن تكون مركز عبور الطاقة إلى أوروبا، وإيجاد دعم عربي في قضايا أمنية مثل قضية الأكراد، الأرمن، قبرص، والحدود البحرية مع اليونان.
وأخيراً، لا شك في أن تركيا أقرب إلى محور الاعتدال منها إلى محور الممانعة، وهذا ما تبين من إشادتها باتفاق مكة، وزيارة رئيس تركيا للسعودية واستقبال أردوغان لعباس في أنقرة، وأخيراً زيارة الرئيس المصري لأنقرة والتي تعزز الدور التركي في المنطقة. لذلك ترى تركيا أن التعامل مع الفلسطينيين يجب أن يتم مع حكومة وحدة وطنية، وهي تتطلع إلى علاقات قوية مع العرب يحكمها الدعم المتبادل في القضايا السياسية والأمنية وتوثقها العلاقات الاقتصادية والتجارية.