حوار واشنطن وطهران الذي ظهر لنا من التصريحات، لربما نقل المنطقة من منطق الكم والكل إلى رقعة شطرنج المصالح، لاعبوها يتحركون فيها وفق مصالحهم لا عقائدهم. لغط هذا الحوار سيبدأ أميركياً، طارحاً الملف النووي تحت المجهر الدولي لحمل إيران على الالتزام بأن يكون المشروع مدنياً سلمياً. ولعل طرح أميركا الملفَّ النووي سيجرها إلى حوافز كانت الترويكا الأوروبية وعدت بها لو تخلت إيران عن تخصيب اليورانيوم، منها تزويدها بمفاعل نووي وبالماء الخفيف، مع رقابة دولية صارمة، وستضيف واشنطن إلى هذه السلة رفع الحظر عن توريد المعدات والصناعات والسلع المختلفة، وفتح المجال لشركات النفط الأميركية لتطوير قطاع النفط والغاز الإيراني. وفي المقابل ستطلب واشنطن ثمناً سياسياً لمثل هذا السيناريو، إذا كتب له أن يرى النور، حيث ستضغط على طهران لتُوقِف دعم "حماس" و"حزب الله" لضمان أمن إسرائيل والعودة إلى مسار التسوية. أما ملف العراق فسيأخذ حقه لتأمين استقراره لما لإيران من نفوذ فيه، لاسيما مع توجه الإدارة "الديمقراطية" إلى سحب القوات منه. ويمكن أن يضاف إلى هذا ملف حوثيي اليمن ودعم إيران لهم. وربما سيعِّرج الحوار القادم على دول الجوار الخليجي، وتحديداً قضية الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة التي أصبحت تثير المخاوف من إيران وطموحاتها التوسعية، إلى جانب مشكلة الجرف القاري مع الكويت الذي يعطي انطباعاً بأن وجود ثروات في مياه الخليج سوف يزيد من حدة الصراعات بين إيران ودول الخليج، والادعاءات الإيرانية المتطاولة على سيادة البحرين، إلى جانب مطالبتها العراقَ بتعويضات ضخمة جراء الحرب بينهما. فكل هذه البؤر الصراعية تتطلب تأمين الخليج من الأزمات الحدودية أو الطائفية التي تنظر إليها واشنطن بعين لا تنام. أما إيران فتريد من حوارها مع أميركا أن يُعترَف بحقها في امتلاك الطاقة النووية وما يتبعها من وسائل البحث والتخصيب وضمان عدم التدخل أو محاولة الإطاحة بالنظام، والاعتراف بدورها في المنطقة. ربما تلتقي طهران مع واشنطن في إسقاط "طالبان" التي تختلف مذهبياً مع النظام الإيراني، ولكن واشنطن تدرك أن الحركة مشكلة فكرية أصولية في أساسها. يحدو أميركا أمل بأن الوقت الأمثل ربما يأتي مع قدوم أحد الإصلاحيين في إيران، رغم أن التوجه السياسي للدولة الدينية الشيعية يحدده المرشد الأعلى للجمهورية التي إذا أصبح أحد الإصلاحيين رئيسها ستكون إشارة منه لتغيير مسار إيران تجاه العالم. وهناك ما يدعو للقول إن الحوار بين الخصمين سيخرج بشيء ما، ولكن النتيجة تُقرَأ ملامُحها من التقارب الذي بدأ مع حليفي إيران، روسيا والصين، وهو ما يعني أن طهران قد تفقد جزءاً مُهِمًّاً من قوتها. ويتجلى هذا الأمر في جس نبض روسيا التي صرح بشأنها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية بأن بلاده مستعدة لإعادة النظر في نشر الدرع الصاروخية إذا ما ساعدت موسكو في درء خطر إيران وكوريا الشمالية، أما بكين فقد قالت فيها هيلاري كلينتون إن واشنطن ستستأنف معها المحادثات العسكرية التي جمدت بسبب صفقة السلاح مع تايون. أما حوار العقائد بين أميركا وإيران فركنه الركين فلسطين، إذ ربما وجدت إيران في قيام فلسطين في حدود 1967 وعاصمتها القدس وفق الرؤية العربية الرسمية، ولكن بإنجاز إيراني شيعي، أقصى ما تتمنى تحقيقه للأمة الإسلامية. لكن إدارة أوباما لا ترى القدس سوى عاصمة لإسرائيل، وعليه سيقف المتفاوضان هنا دون حركة. المواجهة هي السمة الغالبة على الحوار الأميركي الإيراني، حيث تتصادم الأيديولوجيا مع البراجماتية، وفيه تُلغِي الأيديولوجيا أي تنازلات جوهرية مرتبطة بالمحيط الذي يدور فيه فلك إيران أو حتى بالملف النووي الإيراني. إذن، حوار أميركا وإيران لن يذهب أبعد من التصريحات الدبلوماسية، وستبقى الأحجار تراوح مكانها على رقعة الشطرنج تنتظر من يغامر بأول حركة لتنطلق المباراة.